تخطي للذهاب إلى المحتوى

البحث عن السعادة

8 أكتوبر 2026 بواسطة
المحررة نور الباسي
لا توجد تعليقات بعد

بقلم: محمود شعبان


          ( البحث عن السعادة )

كنزى وجودى ولولى وحياة 

أربع صديقات نشأن فى حى واحد ، وجمعتهن رغبة واحدة 

         "البحث عن السعادة" ، 

لكنهن اختلفن فى الطريق إليها ، فلكل واحدة منهن تصورها الخاص للسعادة وسبيل الوصول إليها وكأن معنى قوله تعالى :"قل كل يعمل على شاكلته" اصدق ما ينطبق عليهن .

أما (كنزى) فكانت ترى أن المال هو أساس السعادة ، وأنه مفتاح بابها ؛ لذا كانت تدخر من كل مايقع فى يدها ، وتفرح كثيرا كلما ازداد رصيدها .

وأما (لولى) فكانت تعشق اللآلىء والمجوهرات وكانت تقف طويلا أمام واجهات الصاغة تتأمل بريق الذهب ولمعان الفضة وتتمنى لو اقتنت من هذه الجواهر الثمينة المتلألئة ما يروى ظمأها وينشر السعادة فى نفسها .

و (حياة) فكانت عاشقة للحرية ، كانت ترى أن الحياة قصيرة لذا ينبغى أن نعيشها ونستمتع بكل لحظاتها كما نحب فكانت تردد دوما لصديقاتها : العمر فرصة فلا تهدروها بالقيود والالتزامات الثقيلة فنحن نعيش مرة واحدة ؛ فلماذا لا نعيشها كما نريد؟!

لكن (جودى) كانت مختلفة عنهن جميعا .

كانت تجد راحتها وسعادتها فى إسعاد من حولها وأن تكون مؤثرة ونافعة فى محيطها ، فلم تنس أبدا نصائح والدها الدائمة لها منذ صغرها :"ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط" و" من يفعل الخير لا يعدم جوازيه " ، وتذكر دائما حديثا نبويا كان أبوها كثيرا ما يردده على أسماعها قائلا تذكرى ياابنتى دائما أن :"خير الناس أنفعهم للناس " ،

فكبرت وقد استقر فى نفسها أن تحصيل السعادة فى نشر السعادة ، وأن فعل الخير يعود على صاحبه بمثله وزيادة.

ومرت السنوات ..

تقدم إلى (حياة) أكثر من خاطب لكنها كانت دائمة الرفض والاعتذار فى كل مرة ، كانت ترى أن الزواج سيقيد حريتها ويفرض عليها إطارا للحياة ليس من اختيارها ، ويحرمها من الاستمتاع والسعادة على طريقتها .

أما (لولى) فقد تزوجت من صاحب محل مجوهرات معروف فى الحى ، كان خبيرا بالأحجار الكريمة والجواهر الثمينة فوجدت معه عالمها الذى أحبته كثيرا.

وفى تلك الفترة تقدم إلى (كنزى) شاب مجتهد وسيم لكنه مازال فى بداية حياته

على فيض الكريم كما يقولون ؛ فرفضت الاقتران به لأنها رأت أن المستقبل يحتاج إلى مؤهلات وضمانات لا تتوافر لديه ، وبعد سنوات تزوجت من كهل ثرى يكبرها بسنوات عديدة لكنه يملك ما يكفى لتحقيق كثير من الأحلام التى طالما راودتها.

أما (جودى) فتزوجت من( سعيد ) شاب بسيط لكنه كان كريم النفس ، حسن المعشر ، طيب القلب ، يشاركها حب الخير والسعادة للجميع.

ومضت الأعوام ..وذات مساء التقت الصديقات الأربع بعد غياب طويل فى بيت جودى المتواضع البسيط .

كانت علامات الزمن واضحة على الوجوه ، لكن آثار الرحلة كانت أوضح فى القلوب .

قالت حياة وهى تحرك فنجان القهوة بين يديها :

"عشت حياتى كما أردت ، سافرت واستمتعت ، خضت تجارب لم أحلم بها ، ارتديت ثياب الحرية وجعلت حياتى مطية ، لكننى رغم ذلك عندما أخلو بنفسى وحيدة بين جدران غرفتى أشعر أن صخب الحياة كله انتهى ولم يبق إلا أنا والصمت الرهيب " .

وقالت لولى :"أما أنا فما زلت أحب الجواهر وبريقها ولمعانها ، لكننى اكتشفت مع مرور الزمن أن فرحتى بامتلاك ما أحب قصيرة العمر ، فما إن أحصل على قطعة نادرة حتى تبدأ عينى ونفسى فى التعلق بغيرها " .

أما كنزى فتنهدت قائلة :" لقد حصلت على المال الذى كنت أبحث عنه ، وأعترف أنه وفر لى أمانا كثيرا ، لكننى مع الوقت اكتشفت أن القلق ينمو أحيانا مع الثروة ما يحد كثيرا من إحساسى بالاطمئنان والسعادة " ، 

ثم سكتت لحظة وقالت :" كنت أظن أن الغنى فى كثرة مانملك ، لكننى اكتشفت أن الشعور بالاحتياج والعوز لا يغادرنى بل كلما زادت الثروات زادت الرغبات والطلبات " ، 

فابتسمت جودى وهى تقول : صدق حبيبنا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول:" ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس " .

ساد الصمت لحظات ، وفى أثناء ذلك سمعن طرقا خفيفا على الباب ، ودخلت امرأة مسنة تحمل طبقا من الحلوى وقالت : كيف حالك ياجودى ؟ 

لم أرك من أسبوع فوددت الاطمئنان عليك فلقد تعودت انا والحج على سؤالك الدائم عنا ، فلعلك بخير جارتنا الطيبة الودودة ؛ شكرا جزيلا خالتى الطيبة على ذوقك ، ردت جودى عليها وابتسامة لطيفة على وجنتيها ، 

ورن جرس التليفون فى تلك اللحظة رفعت جودى السماعة وشكرت المتحدث على الهاتف على سؤاله واخبرته أن زوجها سعيد بخير وهو الآن فى المسجد يصلى المغرب ، 

ولم تمر سوى لحظات حتى جاء طفل صغير من الجيران يحمل رسالة شكر من أمه لأن جودى ساعدتها فى أمر شق عليها .

لم تكن الهدايا كبيرة ولا الكلمات منمقة لكن شيئا دافئا كان يملأ جنبات البيت .

نظرت الصديقات إلى بعضهن ثم سألت حياة :

كيف استطعت أن تكسبى حب كل هؤلاء ؟!!

ابتسمت جودى وقالت :

" لا أدرى ، ربما كنت أحاول أن أقدم ما أستطيع من جهد المقل للمساعدة ، وأحيانا كنت أتعب وأقصر أو أضيق ببعض الناس ، لكننى كنت أعود فأذكر نفسى أن الخير لا يضيع عند الله ، وأن من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ، ثم أمضى، والمحبة يلقيها الله فى القلوب للنيات الطيبة " .

عندها تذكرت كنزى أموالها ، وتذكرت لولى جواهرها ، كما تذكرت حياة رحلاتها وأسفارها الكثيرة ،

وأدركت كل واحدة منهن أن ما وجدته فى رحلتها لم يكن باطلا لكنه وحده لم يكن كافيا .

فالمال قد يمنح الأمان، والحرية تمنح متعة الاختيار ، والجمال يمنح البهجة ، لكن راحة البال وهدوء الخاطر وصلاح الحال قد يكون ذلك بعيد المنال فيظل الإنسان يبحث عن سعادة روحه وهدوء نفسه فى معنى أبقى من عرض يبلى .

وأدركن جميعا فى تلك اللحظة أن كل إنسان يميل غالبا إلى ما تميل إليه شاكلته وطبعه ،لكننا نتعلم مع مرور الأيام أننا نظل نبحث عن السعادة فى العالم من حولنا ثم ندرك ونكتشف أنها تنبع من داخلنا .

وعندما افترقت الصديقات فى تلك الليلة كن كمن ولدن من جديد بعد أن عرفن سر السعادة التى بحثن عنها طيلة أعمارهن واكتشفن أخيرا أنها ما استقر فى قلوبهن من حب الخير للجميع من حولهن ، وأن السعادة ليست بما حازوا وجمعوا ، بل بما أعطوا ومنحوا ، وأن تحصيل السعادة فى نشر السعادة .

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً