بقلم د . داليا صلاح أمومة الحرف.
ماجستير في اللغة العربية وآدابها تخصص الأدب العربي الحديث
تظل المرأة هي المركز النابض الذي تدور في فلكه أعمق القضايا الإنسانية؛ فهي الأم، والوطن، والأمن والأمان، والمسكن الحقيقي لروح كل إنسان.
ومن خلال التأمل النقدي في صورة "المرأة الأم" في دراسة أدبية واعية لقصائد الشاعر الكبير الأستاذ الدكتور/ فوزي سعد عيسى، ندرك كيف حظيت هذه الأيقونة بمكانة رفيعة وسامقة في وجدان الشعراء قديماً وحديثاً.
لقد اتخذها الشعراء عبر العصور ملجًأ وملاذًا وضيئًا في أوقات الحزن والأسى، واستمرت صورتهم العميقة متوهجة في العصر الحديث، لتغدو "المَفَرَّ" الآمن الذي يهرب إليه الشاعر من عقبات الحياة وقسوتها.
وعلى الرغم من أن هذه الثيمة الإنسانية الفذة لم تأخذ حيزًا كبيرًا في الدراسات الأدبية القديمة نظرًا لسطوة تقاليد المجتمع حينئذٍ، إلا أن معظم الشعراء لم يغفلوا فرصة تخليدها، فنرى الشاعر فوزي عيسى يرسم بفرشاة الروح طقوس والدته بدلالات تخترق شغاف القلب، حيث يقول:
لون عينيكِ..
أشبهتا لون عينيَّ
خصلة شعركِ
حين علاهُ المشيبُ،
وأنت تمسّينه في الوضوءِ،
دعاؤك لي بعد كل صلاة،
نقشك الكعك في العيد،
مذياعك القرمزيّ الصغير..
جوار سريرك..
تستمعين التلاوة كل صباح،
وكل مساء...
بأصوات من يشبهون
ملائكة في السماء
نور وجهك حين اعتمرتِ...
شريط من الذكريات...
وتتجلى في هذه الأبيات الذاكرة البصرية والشعورية بأزهى صورها؛ حيث يتحول كل تفصيل بسيط إلى محراب مقدس من الوفاء والصفاء، فلا يقتصر الشاعر على سرد الشكل الخارجي، بل ينقب في جوهر "الطقس الأمومي" ليغزل شريطًا من الحنين الدافئ الذي يربط جذور الحاضر بأعماق الماضي، مستحضراً طهارة الوضوء ونقاء العيد، ودفء المذياع الصغير الذي يغمر المكان ببركات القرآن، وبصمة الروح في كل حركة.
بل إن هذا الحنين يمتد ليختزل زاد الحياة بأكملها في صورة الأم وذاكرتها، وحين يسأله الدهر عن حصيلته ومتاعه من هذه الدنيا، لا يجد أثمن من تلك الروح الباقية، ليترجم هذا الإنتماء العميق لقصائد الشاعر في مقطوعة أخرى تنبض بالبساطة والقداسة معاً:
وماذا لديك من الزاد؟
صورة أمي، قباطيتان،
كتاب من النيل، قنديل زيت
وهنا يرتفع الشاعر بالبسيط المعتاد إلى مرتبة الرمز الوجودي العظيم؛ فحين يكون "زاد" الإنسان في رحلة وعثاء الدنيا مختزلًا في صورة أمه وبعض متاعٍ طاهر ونهر وقنديل، فإن الأم تكون هي الزاد الأبدي والكنز الذي لا يفنى، والوجود الذي يغنيه عن كل ما سوى ذلك.
ومن قلب هذا الفيض تتأكد تلك المعاني حين يغوص الشاعر في مشهد درامي إنساني بالغ التأثير والعمق، ليؤكد حقيقة أزلية مفادها "أن الأم هي الكائن الوحيد الذي يستحيل أن يوصد بابه في وجه وليدها"، مهما اشتدت المحن وتقلبت الأقدار، حين يناجيها بقوله:
أتيتُكِ...
أحملُ في قلبي المستباح
ألتمس البُرءَ..
لا توصدي البابَ دوني
ولا تنكريني.. فكلُّ المنازلِ
قد أوصدتْ بالأسنّة أبوابها
وكلُّ المصابيحِ...
قد أطفأتها الرياحُ
من ثم يبلغ النص ذروته الفنية؛ فبينما توصد رياح العالم وظروفه القاسية أبوابها ومصابيحها بوجه التائهين وتتكسر نصول الأيام على صدورهم، تظل الأم هي الملاذ الأخير والوحيد، وهي الدفء الذي يغمر الشاعر ليطفئ جمر الأحزان المشتعلة في صدره بلمسة حانية ومغفرة أبدية لا تُعَوَّض.
ولا يتوقف النبض عند حدود الاحتواء، بل يرتفع الشاعر بصوت الأم إلى آفاق أرحب، معتبرًا إياها الوطن والواحة التي يجوز فيها للإنسان أن يخلع درع تجلده ويبكي بلا خجل، معبرًا عن ذلك إذ يقول:
تقول أمي... واحتي وموطني
وفي عيونها أستحضر الخنساء
ابكِ كما بكت من قبلك النساءْ
وهكذا تتلاحم الأم بالوطن وتلتقي برمز الصبر التاريخي والملحمي "الخنساء"، لتتجاوز الأمومة حدود العطف البشري المعتاد إلى مرتبة الصانع الأكبر للوجدان، حيث يُمنح الرجل شرف البكاء والتخفف من أثقال الحياة أمامها، لأن الصدر الذي يتلقى الدموع هو ذاته صدر الوطن.
ومن هذا المعين الصافي، نرى كيف تتجسد مكانة المرأة في أرق معانيها وألفاظها في شعر الدكتور فوزي عيسى؛ فالشاعر لا يرسم مجرد صورة تقليدية لوالدته، بل يعيد صياغة وعيًا بمكانتها العظيمة التي لا تمثل نصف المجتمع عددًا فحسب، بل هي المجتمع بأسره وجودًا وكيانًا، لأنها بفيض حنانها ووعيها وعظمتها تُنجب أعظم الرجال، وتصنع تاريخ الأمة، وتظل هي القصيدة الأبدية التي لا تنتهي.لم