تخطي للذهاب إلى المحتوى

هندسة السلالم

9 أكتوبر 2026 بواسطة
المحررة نور الباسي
لا توجد تعليقات بعد

بقلم: د.عادل جعفر

هندسة السلالم

حين تتحول الميتافيزيقا إلى رأسمال رمزي، يصبح تفسير المقدّس مصدراً للنفوذ؛ فمن يملك حق تفسيره، يستطيع أن يحدد للآخرين كيف يؤمنون، وممّن يأخذون معنى إيمانهم.

ويبدأ هذا النفوذ بإقناع الإنسان بأن الحقيقة أبعد من أن يبلغها بنفسه، وأن بينه وبين المطلق مسافة لا يعبرها إلا بوسيط. عندئذ، لا يعود احتكار الحقيقة ضرورياً ، يكفي احتكار الطريق إليها.

ومع ترسّخ هذه الوساطة، تتحول الحاجة إليها إلى ضرورة، ثم تتحول الضرورة إلى طاعة. هكذا تستعير المؤسسة المحدودة هيبة اللامحدود، ويكتسب من يتحدث باسم المقدّس حصانة تتجاوز حدود قوله: فلا يناقش تفسيره بوصفه فهماً بشرياً، بل يُحمى بوصفه امتداداً للحقيقة نفسها.

ومن هنا يصبح الاعتراض على الوسيط اعتراضاً على المقدّس، ويغدو طلب الدليل علامة على فساد الإيمان. فالسلطة التي تستمد امتيازها من التفسير تحتاج إلى إبقاء المسافة مفتوحة بين الإنسان والحقيقة؛ إذ إن اقترابه منها دون إذن يهدد مبرر وجودها.

وحين يستقر هذا الترتيب، يُستثمر العجز المعرفي بوصفه مورداً قابلاً للتوريث … يرث بعضهم حق الإجابة، ويرث الآخرون واجب السؤال والطاعة.

وما أكثر الذين لم يصعدوا إلى المطلق، لكنهم أتقنوا هندسة السلالم، ثم أقنعوا الصاعدين بأن كل طريق لا يمر بهم يقود إلى الهاوية.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً