تخطي للذهاب إلى المحتوى

أزمة تفاصيل

22 أكتوبر 2026 بواسطة
المحررة نور الباسي
لا توجد تعليقات بعد

بقلم : د. عبير سعد 

أزمة_تفاصيل


نعيش في عالم يتسارع إيقاعه، لكن هذا التسارع يأتي أحيانًا على حساب السكينة النفسية والروابط الإنسانية.


فلم تعد الشوارع، ولا طوابير الانتظار، ولا المساحات العامة مجرد أماكن لقضاء المصالح؛ ففي بعض المواقف، تتحول إلى ساحات احتكاك، وكأن كثيرين باتوا على أهبة الغضب، لا يفصلهم عن الانفجار سوى كلمة.


تأمل ذلك الموقف المتكرر: تتوقف بسيارتك لبرهة كي تعبر سيدة مسنة أو رجل طاعن في السن الطريق بحذر، فإذا بمن خلفك يطلق أبواق سيارته بعنف، وربما ينهال عليك بالشتائم؛ لأنه لا يرى ما أمامك، ولم يمنح نفسه لحظة ليتساءل عن سبب توقفك.


أو تقف طويلًا في طابور منظم، فيأتي من يقتحم دورك بلا مبالاة، وكأن احترامك للنظام سذاجة، والتزامك بحقوق الآخرين فرصة متاحة للاستغلال.


قد تبدو هذه المواقف بسيطة، لكنها تكشف، حين تتكرر، عن خلل أعمق: ضيق الصدر، وسرعة الغضب، وضعف مراعاة الآخرين، وتراجع القدرة على التماس العذر.


ولا تقف الأزمة عند حدود التعاملات اليومية، بل تمتد إلى بعض الأفكار التي باتت تشكّل نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين.


فمن جهة، تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي شعارات من قبيل: «حب نفسك قبل أي حد»، و«علشان تحب غيرك لازم تحب نفسك الأول».


وفي هذه العبارات جانب من الصواب؛ إذ تدعو إلى احترام النفس، والعناية باحتياجاتها، وصونها من الاستنزاف في العلاقات المؤذية. غير أن المعنى يختل حين تتحول العناية بالنفس إلى أولوية مطلقة، تُقدَّم فيها الرغبات الشخصية على حقوق الآخرين، وتُتخذ فيها المصلحة الفردية مبررًا للتنصل من المسؤوليات.


فليس الخلل في أن يحب الإنسان نفسه، بل في أن تضيق رؤيته حتى لا يرى في الحياة إلا نفسه، ولا يزن الأمور إلا بميزان مصلحته.


وفي مقابل هذا الأفق الضيق، يفتح لنا القرآن الكريم أفقًا أرحب، تتسع فيه النفس للآخرين، وتتجاوز حدود المصلحة الخاصة إلى رحابة الإحسان والإيثار، يقول الله تعالى:


﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).


إنها صورة لنفس لا يستعبدها الشح، ولا ترى في خير الآخرين انتقاصًا من نصيبها؛ نفس تسمو حين تمنح، وتجد في الإحسان سعةً لا تضيق بها حقوقها.


وليس الإيثار أن يفرّط الإنسان في حقه، أو يحمل نفسه ما لا تطيق، بل أن يحسن حين تتسع قدرته للعطاء. فالإحسان لا يلغي العدل، كما أن حفظ الحقوق لا يمنع الرحمة. وليس مطلوبًا أن نتنازل عن حقوقنا إرضاءً للآخرين، ولا أن نتحمل الإساءة باسم السماحة؛ بل أن نختار الرفق حين يكون أولى، والحزم حين يصبح ضرورة.


وهنا نستحضر هدي نبينا محمد ﷺ في معاملاتنا اليومية، إذ قال: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». فالسماحة ليست ضعفًا، ولا عجزًا عن المطالبة بالحقوق، بل قدرة على المطالبة بها دون فظاظة، وعلى مراعاة الآخرين دون تفريط.


ولم يحصر النبي ﷺ المعروف في الأعمال العظيمة، بل وسّع أبوابه لتشمل أبسط صور التعامل الإنساني، فقال: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق». 


فالبشاشة، والكلمة الطيبة، وحسن اللقاء ليست أمورًا هامشية؛ إنها صور من المعروف الذي يخفف عن الناس أعباء يومهم، ويترك في نفوسهم أثرًا طيبًا، ويوسّع صدورهم لما قد يعترضهم من مكدرات الحياة.


ويتكامل هذا المعنى مع ما وجّه إليه النبي ﷺ من الرفق، فقال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه». فحسن الخلق سلوك يظهر في أدق تفاصيل حياتنا: في كلماتنا، وطريقة اختلافنا، واحترامنا لحقوق الآخرين.


فكم كانت تطمئننا تلك التفاصيل الصغيرة التي لم تكن الحياة تخلو منها؛ تفاصيل تمنحنا فسحة من الطمأنينة، وتشعرنا بأننا مازلنا بخير.


أن يتنازل أحدنا عن مقعده لمسنّ أو لسيدة تحمل طفلًا، وأن نلقى الناس بوجوه طليقة، ونلقي تحية السلام على من نلقاهم.


وأن نقول ببساطة: «من فضلك»، و«شكرًا»، و«جزاك الله خيرًا»، و«معذرة»، و«اسمح لي»؛ كلمات صغيرة، وتفاصيل قد تبدو عابرة، لكنها لم تكن يومًا مجرد تفاصيل؛ إنها حياة ودفء، وشعور بأن الإنسانية ما زالت بخير.


شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً