بقلم: د. محمود شعبان
( الجسد مركبة ، العقل سائقها، والقلب محركها ) .
فمن هو الإنسان الذي يخوض بهذه المركبة رحلة الحياة؟
هل هو هذا الجسد الذي نراه ، أم أن وراء صورته الظاهرة حقيقة أعمق؟
يقول الله تعالى في محكم التنزيل :
" ولقد خلقناكم ثم صورناكم " الأعراف ١١
ويقول أيضا سبحانه :
" الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين " السجدة ٧ .
ثم يقول عز وجل :
" ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون " السجدة ٩.
-تفتح هذه الآيات أمامنا بابا للتأمل في حقيقة الإنسان ؛ فهناك خلق وتسوية وتصوير ، وهناك روح ارتبطت بالجسد في الحياة الدنيا ، وحواس وملكات للإدراك ، بها يسمع الإنسان ويبصر ويفكر ويشعر .
فالجسد هو وسيلتنا للتفاعل مع العالم المادي ، والعقل يعيننا على الفهم والتمييز واختيار الطريق ، والقلب بمعنييه المادي والمعنوي ، يرتبط باستمرار الحياة من ناحية ، وبالمشاعر والميول والنيات والمقاصد من ناحية أخرى .
لكن هل الإنسان هو مجموع هذه الوظائف وحدها؟
وماذا عن تلك الذات التي تقول "أنا" ، وتعي وجودها ، وتتأمل حقيقتها ، وتسأل عن معنى حياتها ومصيرها؟ .
-إن حقيقة الإنسان أعمق من صورته الظاهرة ، ولا تختزل في ملامح الوجه أو لون البشرة أو الهيئة الجسدية.
ولسنا في جوهر إنسانيتنا أبيض أو أسود أو أحمر أو أصفر ، بل نحن جميعا من بني آدم ، مهما اختلفت ألواننا وألسنتنا وأعراقنا .
قال تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " الإسراء ٧٠ .
فالتكريم لبني آدم أجمعين ، والاختلاف في الصور والألوان لا يجعل إنسانا أرفع قيمة من إنسان ، ولا يمنح أحدا حق الاستعلاء على غيره .
أما الروح ، فقد أخبرنا الله أن علمنا بحقيقتها محدود ، فقال سبحانه : " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " الإسراء ٨٥ .
ونحن نؤمن بما أخبرنا به الوحي عن تعلقها بالجسد ومفارقتها له عند الموت ، دون أن نزعم الإحاطة بكيفية ذلك أو بحقيقة الروح وكنهها .
-إن الجسد الذي نعيش به يتغير ويشيخ ، ثم تنتهي به الحياة الدنيا ، لكن الموت ليس نهاية الرحلة ؛ فالإيمان بالبعث والحساب والحياة الآخرة يفتح أمامنا أفقا يتجاوز حدود العمر الذي نعيشه على الأرض ، وكما ورد في الأثر :
" إنما خلقتم للأبد لكنكم تنتقلون من دار إلى دار " ، وفي القرآن إشارة متكررة لخلود الإنسان سواء في الجنة أو في النار كل بحسب عمله وما يستحق " خالدين فيها أبدا " ، كما أشار الحديث لتمثيل الموت على هيئة كبش يذبح ويقال للجميع "خلود دائم فلا موت " .
-وهنا نعود إلى عبارتنا:
( الجسد مركبة ، العقل سائقها ، والقلب محركها ) .
فإن قيمة الرحلة لا تتحدد بجمال المركبة وحده ، ولا بمهارة السائق فقط ، بل كذلك بما يحرك الإنسان من نيات وقيم ، وبالوجهة التي يختارها ، والغاية التي يعيش من أجلها .
فهل نكتفي بالنظر إلى صور الناس ،
أم نتعلم أن نرى ما وراء الصور ،
وأن نقيس الإنسان بإنسانيته وأخلاقه وأفعاله ، لا بلونه أو مظهره؟ .