تخطي للذهاب إلى المحتوى

قصة قصيرة .. من أجلك ياحبيبي

9 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد


د. محمود شعبان

          (من أجلك ياحبيبى )
كان الهاتف على الطاولة يطلق رنينه للمرة الخامسة خلال ساعتين كأنه يصرخ من شدة القلق والخوف .
لم يكن مهند بحاجة إلى النظر إلى الشاشة ليعرف هوية المتصل ؛ فالإلحاح له نغمة واحدة يعرفها جيدا .
نفخ مهند بضيق وهو يضغط زر الإغلاق ، مسندا ظهره إلى مقعد المقهى ، محاولا استعادة هدوئه وسط صخب الأصدقاء الذين لم يعودوا يلتفتون إلى التصاق هاتفه بأذنه ، فالبنسبة لهم كان ذلك جزءا من الروتين اليومى لصديقهم .
عندما عاد إلى البيت فى منتصف الليل وجد أباه جالسا فى الصالة . لم يكن التلفاز مضاء ، وكان الضوء الخافت ينعكس على روبه الكاروهات النبيتى القديم .
جلس واضعا نظارة القراءة على أرنبة أنفه ، وبين يديه رواية قديمة غلافها متآكل تحمل عنوان:"من أجلك ياحبيبى"
لم يكن يقرأ  فعيناه معلقتان بالباب وعندما دخل مهند نظر إليه فى صمت .
كان صمته ثقيلا على نفس مهند لأنه يعرف ما بعده . تلاقت النظرات فاشتعلت فى صدر الابن شرارة الضيق المتراكم طوال الطريق.
قال مهند بنبرة حادة وهو يشيح بوجهه:
لماذا تتصل بى كل ساعة؟!
لماذا تقلق على بشدة هكذا؟ ! !
أنا لم أعد طفلا يا أبى!!!
ظل الأب صامتا لحظات .
ترددت الكلمات فى المكان الضيق ، وبدا كأنها تركت أثرا أثقل مما أراد صاحبها .
أنزل الأب نظارته ببطء ، وأطبق على الرواية فى يده كمن يتشبث بشىء عزيز يخشى فقده .
كان ينظر إلى ابنه بعينين شاردتين ، كمن ينظر إلى غريب يشبه ابنه ، أو إلى زمن تسرب من بين أصابعه فلم يعد يملكه .
ابتلع غصته وتحركت شفته السفلى قليلا ، ثم قال بصوت متعب:
هل تريد أن تعرف لماذا؟
لم يجب الابن وعقد ذراعيه أمام صدره ونظر إلى الأرض بعناد، متحصنا بجفاء المراهقين المعتاد .
قال الأب بصوت هادئ ، لكنه يحمل ثقل السنين :
لأننى أحبك .
سقطت الكلمة من فمه فى بئر من الصمت ، صمت قليلا ليلتقط أنفاسه ثم أكمل: حين كنت صغيرا كنت أخاف عليك أن تتعثر وتسقط فى خطواتك الأولى وأنت تتعلم المشى ،
واليوم أخاف عليك أن تتعثر وتسقط فى خطواتك الأولى فى عالم الرجال .
لا أستطيع أن أنتظر حتى أراك تسقط أمام عينى وتضل الطريق .. ثم خفض صوته أكثر وقال:
لأننى .. أحبك وأخاف عليك يا بنى.
لمعت عينا الابن وهو ينظر إلى أبيه ، لكن نظرته هذه المرة تغيرت ، وتلاشت حدة غضبه فجأة وحلت محلها دهشة صامته ممزوجة بعاطفة مشبوبة شلت حركته .
انخفضت عيناه نحو عنوان الرواية المحشور بين أصابع والده "من أجلك ياحبيبى" ، ثم رفع عينيه ونظر إلى أبيه طويلا ، وللمرة الأولى لم يره باعتباره سلطة تفرض القيود وتصدر الأوامر ، بل رآه إنسانا .. إنسانا يخاف ويشفق على ولده .
استدار مهند ودخل غرفته دون أن ينطق بكلمة ، أغلق الباب خلفه واستلقى على سريره فى الظلام كعادته .
لم يتغير كل شىء فى لحظة ، ولم يخرج ليعانق أباه ، فالمسافات والجدران التى بينهما لم تبن فى يوم واحد لتنهد فى ليلة واحدة ،
لكن شيئا ما فى داخله تغير فى تلك الليلة .
فى الخارج بقيت الرواية فوق الطاولة ، بينما كان عنوانها يطل من تحت يد الأب
كأنه يلخص حكاية كل أب .
            " من أجلك ياحبيبى "

د.محمود شعبان

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
منتصف كل شيء