فيروز الحسن - لبنان
أثر لا يغيب...
ميلاد خير البرية
ليس كل ميلاد تاريخا يؤرخ له، بعض الميلاد يترك أثرا في وجه العالم.
وفي ذكرى ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم، لا أحب أن أستعيد سيرته كحكاية محفوظة، بل كأثر ما زال يمشي بيننا، في أخلاقه، وفي ميراث النبوة، وفي نور الوحي الذي حمله إلى العالم.
ومن أجمل ما قيل في وصفه، ما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه، فقالت: «كان خلقه القرآن».
وكان صلى الله عليه وسلم مثالا حيا لأخلاق النبوة، قولا وعملا؛ يجسد ما جاء به الوحي في سلوكه ومعاملاته، حتى قال الله تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم».
ذلك النبي الذي جاء إلى عالم كان يظن أن القوة في القسوة، فترك وراءه معنى آخر للقوة؛ أن تقدر ولا تؤذي، أن تنتصر ولا تظلم، أن تختلف ولا تهدم جسور القلوب.
لم يغير الناس بالخطب وحدها، بل كان يمشي بينهم كما يمشي الضوء في غرفة معتمة؛ لا يخاصم الظلام... فقط يكفي أن يحضر.
علمنا أن الإنسان لا يكبر بما يملكه، بل بما يمنحه. وأن الكرامة لا تمنح لبعضنا وتحجب عن بعض، وأن الرحمة ليست ضعفا، بل صورة أخرى للشجاعة.
وفي زمن كانت فيه المرأة تقاس بمكانتها عند الرجل، جاء ليعيد إليها مكانتها في قلب الحياة؛ أما تصان، وابنة تكرم، وزوجة لها حقها وكرامتها.
وحين تتعب بنا الخصومات، نتذكر أن إصلاح قلبين متخاصمين قد يكون أعظم من انتصار طرف على طرف.
ربما لهذا لا تحتاج سيرته إلى كثير من الزينة؛ يكفي أن نسأل أنفسنا سؤالا واحدا:
لو مر بنا محمد صلى الله عليه وسلم اليوم، هل كان سيرى في أخلاقنا شيئا من أخلاقه؟
فالمحبة الحقيقية ليست أن نكثر من الكلام عنه، بل أن نترك في العالم شيئا مما جاء به؛ رحمة حين نستطيع القسوة، وصدقا حين يكون الكذب أسهل، وعفوا حين يكون الانتقام أقرب، وخيرا لا ينتظر تصفيقا.
في ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، سلام على إنسان لم يكن حضوره فصلا من التاريخ فقط، بل معنى ما زال كلما ابتعدنا عنه... احتجنا أن نعود إليه.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. 🤍