تخطي للذهاب إلى المحتوى

أَرْوَاقُ الرُّوحِ: قِرَاءَةٌ فِي صَفَحَاتِ الذَّاتِ وَمَلَامِحِ الْبَشَرِ

30 أغسطس 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

ايهم الدقم - الأردن

تَقِفُ النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ فِي جَوْهَرِهَا أَمَامَ الْحَيَاةِ كَمَكْتَبَةٍ ضَخْمَةٍ لا تَحْدُّهَا جُدْرَانٌ، تُجْمَعُ فِي أَرْوَاقِهَا آَلَافُ الصَّفَحَاتِ الَّتِي خُطَّتْ بِمَشَاعِرِنَا، وَسُطِرَتْ بِتَجَارِبِنَا وَصَمْتِنَا. إِنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَائِنٍ يَتَنَفَّسُ، بَلْ هُوَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ السِّمَاتِ وَالْمَلاَمِحِ الَّتِي تَتَشَابَكُ لِتُشَكِّلَ هُوِيَّتَهُ الْفَرِيدَةَ؛ فِيهَا الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَالمَعْلُومُ وَالْمَجْهُولُ. وَحِينَ نَنظُرُ إِلَى الأَشْخَاصِ مِنْ حَوْلِنَا مِنْ مَنْظُورِ فَهْمِ الذَّاتِ، نَجِدُ أَنَّ كُلَّ رُوحٍ تَحْمِلُ طَابَعاً خَاصّاً يُشْبِهُ نَوْعاً مُعَيَّناً مِنَ الْكُتُبِ، دُونَ أَنْ نَضَعَهُمْ فِي أُطُرٍ جَامِدَةٍ أَوْ قَوَالِبَ مُغْلَقَةٍ، فَالطَّبِيعَةُ الإِنْسَانِيَّةُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي تَبْوِيبٍ ضَيِّقٍ.
تَتَجَلَّى هَذِهِ السِّمَاتُ الْعَامَّةُ فِي صُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ تَسْتَحْقِرُ التَّصْنِيفَ السَّطْحِيَّ، وَتَجْمَعُ بَيْنَ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ:
* كِتَابُ التَّارِيخِ: يُشْبِهُ الأَشْخَاصَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ سِمَةَ الْعُمْقِ وَالْوَفَاءِ لِلْمَاضِي. تَجِدُ فِي أَرْوَاحِهِمْ حِكْمَةً تُمَكِّنُهُمْ مِنْ اسْتِيعَابِ الْأَحْدَاثِ، وَالْتِقَاطِ الْعِبَرِ مِنْ كُلِّ ثَبَاتٍ وَعَثْرَةٍ. إِنَّهُمْ مَرْجِعٌ فِي الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، يَعِيشُونَ بِقَلْبٍ يَسْتَنِدُ إِلَى الْجُذُورِ وَيَرْفُضُ الاِنْجِرَافَ وَرَاءَ التَّغَيُّرَاتِ السَّرِيعَةِ.
* كِتَابُ الْفَلْسَفَةِ: يُمَثِّلُ النُّفُوسَ الشَّغُوفَةَ بِالْتَفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ. تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ سِمَةُ التَّسَاؤُلِ الدَّائِمِ وَالْبَحْثِ عَنْ المَعَانِي الخَفِيَّةِ وَرَاءَ الْمَوَاقِفِ، يَتَنَقَّلُونَ بَيْنَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ. هَؤُلاَءِ لا يَرْضَوْنَ بِالإِجَابَاتِ السَّطْحِيَّةِ، بَلْ يَسْعَوْنَ دَوْماً لِفَهْمِ النَّفْسِ وَالْمُحِيطِ بِعُمُقٍ وَتَرَيُّثٍ.
* كِتَابُ الرِّوَايَاتِ: يُشْبِهُ الشَّخْصِيَّاتِ المَفْعَمَةَ بِالْعَاطِفَةِ وَالْمَشَاعِرِ الْمُتَدَفِّقَةِ، حَيْثُ يَلْتَقِي الفَرَحُ وَالْقَرَحُ فِي حَكَاَيَاهُمْ. تَتَمَيَّزُ هَذِهِ الأَرْوَاحُ بِالْقُدْرَةِ العَالِيَةِ عَلَى الإِحْسَاسِ بِالآَخَرِينَ، وَمَشَاطَرَتِهِمْ أَلَـمَهُمْ وَأَمَلَهُمْ، وَعَيْشِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ بِدِفْءٍ وَخَيَالٍ وَاسِعٍ.
* كِتَابُ العُلُومِ: يُجَسِّدُ الأَفْرَادَ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إِلَى الْوُضُوضِ وَالْمَنِطِقِ. تَبْرُزُ لَدَيْهِمْ سِمَةُ التَّنْظِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، حَيْثُ يَبْحَثُونَ عَنِ الأَسْبَابِ وَالنَّتَائِجِ، وَيُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْخَيَالِ، مُفَضِّلِينَ الِاسْتِقْرَارَ فِي تَعَامُلَاتِهِمْ مَعَ الآَخَرِينَ.
وَبَيْنَ هَذِهِ الأَرْفُفِ المَعْرُوفَةِ، نَلْتَقِي أَهَمَّ مَا فِي هَذِهِ المَكْتَبَةِ؛ الْكُتُبُ النَّادِرَةُ. هَؤُلاَءِ هُمْ أُشْخَاصٌ لا يُشْبِهُونَ أَيَّ عِلْمٍ مُحَدَّدٍ، لا تَارِيخَ وَلا أَدَبَ وَلا حَتَّى فَلْسَفَةً. إِنَّهُمْ نُفُوسٌ أَعَادَتْ صِيَاغَةَ مَفْهُومِ الْوُجُودِ بِطَرِيقَتِهَا الخَاصَّةِ، تَجْمَعُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَالْوُضُوحِ وَالْغُمُوضِ. تَجِدُ فِي الشَّخْصِ مِنْهُمْ مَزِيجاً فَرِيداً مِنَ الصَّمْتِ المُلْهِمِ، وَالْحُضُورِ المَؤُثِّرِ، وَالْفَهْمِ العَمِيقِ الَّذِي لا يُكْتَبُ فِي مُجَلَّدٍ. هُمْ كَالْمَخْطُوطَاتِ المَطْوِيَّةِ الَّتِي لا تَقْرَؤُهَا بِالْعَيْنِ، بَلْ تُدْرِكُهَا بِالْبَصِيرَةِ، فَيَتْرُكُونَ فِي نَفْسِكَ أَثَراً عَمِيقاً يُغَيِّرُ مَجْرَى إِدْرَاكِكَ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا كَثِيراً.
لِكَي يَسْتَطِيعَ الإِنْسَانُ اكْتِشَافَ ذَاتِهِ وَتَصَفُّحَ صَفَحَاتِ نَفْسِهِ بِعُمُقٍ وَوُضُوحٍ، يُمْكِنُهُ اتِّبَاعُ بَعْضِ الإِرْشَادَاتِ الَّتِي تُسَاعِدُهُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ:
* مُمَارَسَةُ الصَّمْتِ الِاسْتِكْشَافِيِّ: خَصِّصْ وَقْتاً يَوْمِيّاً لِلْجُلُوسِ مَعَ نَفْسِكَ دُونَ مُشَتِّتَاتٍ، فَالصَّمْتُ هُوَ المَسَاحَةُ الَّتِي تَتَجَلَّى فِيهَا حَقِيقَةُ الْمَشَاعِرِ وَالأَفْكَارِ الَّتِي تُغَطِّيهَا ضَوْضَاءُ الْحَيَاةِ.
* قِرَاءَةُ الرَّسَائِلِ الذَّاتِيَّةِ: اتْرُكْ لِنَفْسِكَ المَجَالَ لِكِتَابَةِ مَا يَجُولُ فِي خَاطِرِكَ بِحُرِّيَّةٍ مُطْلَقَةٍ. إِنَّ تَدْوِينَ الخَوَاطِرِ وَالْمَشَاعِرِ يُسَاعِدُ عَلَى تَفْكِيكِ التَّعْقِيدَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ وَرُؤْيَةِ الذَّاتِ عَلَى حَقِيقَتِهَا.
* مُلاَحَظَةُ الأَنْمَاطِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ: رَاقِبْ كَيْفَ تَتَفَاعَلُ مَعَ الْمَوَاقِفِ المَخْتَلِفَةِ، وَمَا هِيَ الأُمُورُ الَّتِي تَمْنَحُكَ النَّشَاطَ أَوْ تُسَبِّبُ لَكَ الإِحْبَاطَ، فَإِدْرَاكُ هَذِهِ السِّمَاتِ هُوَ الْبِدَايَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلنُّضْجِ.
* تَقَبُّلُ الصَّفَحَاتِ الْمُطْوِيَّةِ: أَدْرِكْ أَنَّ كُلَّ مَرْحَلَةٍ مَرَرْتَ بِهَا هِيَ جُزْءٌ مِنْ كِتَابِكَ الدَّاخِلِيِّ، وَأَنَّ الأَخْطَاءَ وَالتَّجَارِبَ القَاسِيَةَ لَيْسَتْ سِوَى صَفَحَاتٍ زَادَتْ مَضْمُونَ نَفْسِكَ عُمْقاً وَأَهَمِّيَّةً.
تَبْقَى النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ أُعْجُوبَةً صَامِتَةً، وَكُلَّمَا تَعَلَّمْنَا كَيْفَ نَقْرَأُ أَرْوَاحَنَا وَأَرْوَاحَ الآَخَرِينَ بِحُبٍّ وَتَفَهُّمٍ، اصْطَفَّتْ أَرْفُفُ حَيَاتِنَا بِالتَّنَاهُمِ وَالسَّلاَمِ.​






شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
الطاقةُ المهدرةُ