تخطي للذهاب إلى المحتوى

أني هجرت ديارا لا وقار بها 🖋️

2 أكتوبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم : أ. هبة شعبان 🖋️

ما كل رحيل هزيمة، وما كل بقاء وفاء.
ثمة أماكن لا يغادرها الإنسان حين يضيق بها بل حين يضيق بنفسه فيها أماكن يدخلها بقلبه كاملا، ثم يخرج منها وهو يبحث عن الأجزاء التي سقطت منه في الطريق يبتسم فيها كثيرا حتى لا يراه أحد منكسرا، و يصمت طويلا حتى لا يفضح صمته مقدار ما رأى.

أما أنا

فقد هجرت ديارا لا وقار بها.
هجرتها حين أدركت أن المكان الذي يجعلني أساوم على كرامتي، ليس مكانا يليق بي،ولو كان أحب الأمكنة إلى قلبي.
هجرتها بعدما طال بي الوقوف على أبواب لا تفتح إلا لمن يطرقها منكسرا، ومجالس لا يسمع فيها إلا صوت من يرفع صوته، وقلوب لا تعرف قيمة الهادئين إلا حين يغادرون.
كنت أظن أن الوفاء أن أبقى.
ثم علمت أن الوفاء لنفسي أولى.
وأن الإنسان لا يخلق ليكون ظلا في حياة الآخرين، ولا ليقضي عمره يشرح حسن نيته لمن اختار سوء الظن به.

لهذا رحلت

لا ضجيج في الرحيل الذي يصنعه النضج
لا أبواب تصفق، ولا كلمات أخيرة ولا رسائل طويلة تشرح لماذا انطفأت الروح.
فحين يصل الإنسان إلى يقين الرحيل يصبح الكلام عبئا.

يكفيه أن يعرف

ويكفيهم أن يكتشفوا بعد غيابه أن الذين اعتادوا وجودهم لم يكونوا عابرين كما ظنوا
رحلت وأنا أحمل حزني كمن يحمل شيئا ثمينا لا يريد لأحد أن يراه.
لم أبك المكان لأنه كان جميلا، بل بكيت النسخة مني التي كانت تظنه كذلك.
بكيت الأيام التي منحتها بلا حساب، والثقة التي وضعتها في غير موضعها، و المرات التي ابتلعت فيها وجعي حتى لا أخسر أحدا.

ثم سألت نفسي

وماذا ربحت حين كنت أخشى خسارة الجميع؟

لقد خسرتني

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الرحيل مخيفا
فما قيمة أن أبقى بين ألف وجه، وأنا غريبة عن نفسي؟
وما قيمة مجلس يزدحم بالأسماء، ويضيق فيه صدري؟
وما قيمة مكان أحتاج فيه كل صباح إلى أن أثبت أن لي حقا في الاحترام؟
الوقار ليس أن تجلس في صدر المجلس.
الوقار أن لا تضطر إلى الجلوس فيه كي تشعر بقيمتك.
الوقار أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت ومتى تترك الحديث لأصحابه، ومتى تترك المكان كله لأهله.
لذلك لم أرحل غضبا.
رحلت لأنني هدأت.

وهذه أخطر مراحل الرحيل

حين لا يعود الإنسان غاضبا، ولا راغبا في الانتقام، ولا منتظرا اعتذارا.
حين يصبح كل ما يريده أن يسترد قلبه من الأماكن التي تركه فيها.
أنا لا أحمل على أحد ضغينة.
لكنني أيضا لا أعود إلى المواضع التي تعلمت فيها كيف أتألم.
فبعض الأبواب حين تغلق، لا ينبغي أن نفتحها مرة أخرى بدافع الحنين.
وبعض الأشخاص حين يسقطون من أعيننا لا يعيدهم الاعتذار إلى مكانهم الأول.
وبعض الديار مهما اتسعت، تبقى ضيقة على روح تبحث عن معنى.
لقد تعلمت أن ليس كل من عرفناهم يستحقون أن نأخذهم معنا إلى آخر الطريق.

هناك من يأتي ليعلمنا

وهناك من يأتي ليختبر صبرنا
وهناك من يأتي ليكشف لنا كم كنا نجهل أنفسنا.

ثم يرحل

فنكتشف بعده أننا لم نفقد شخصا.

بل وجدنا أنفسنا

لهذا، إذا رأيتموني أعبر من أمام ديار كنت يوما أعدها وطنا، فلا تقولوا لقد تغيرت.

نعم تغيرت

لكنني لم أصبح أقسى
أصبحت أوعى
لم أفقد قلبي
فقط تعلمت ألا أتركه على عتبة كل باب

لم أصبح متكبرة

تعلمت فقط أن التواضع لا يعني أن أضع نفسي في موضع يهينها.
ولم أعد أبحث عن مكان يحتويني.
أصبحت أبحث عن مكان لا يضطرني إلى الانكماش كي أتسع للآخرين.

وإن لم أجده
فلا بأس
سأكون وحدي

فالوحشة في طريق يحفظ كرامتي، أرحم من ألف مؤنس يطفئ روحي.
لقد هجرت ديارا لا وقار بها، وتركت خلفي كل ما كان يجعلني أشك في قيمتي.

ومضيت
لا ألتفت

ليس لأن الماضي لا يؤلمني
بل لأنني تعلمت أن بعض الآلام لا تشفى بالعودة إليها.
ومنذ ذلك الرحيل، اصبحت أعلم أن أعظم انتصار قد يحققه الإنسان ليس أن ينتصر على من آذاه، بل أن يخرج من أذاه دون أن يتحول إلى نسخة منه.
لهذا خرجت كما دخلت

بقلبي

لكنني هذه المرة حملت معي شيئا لم يكن معي يوم دخلت.

نفسي

وها أنا اليوم، لا أندم على باب أغلقته ولا على طريق تركته، ولا على ديار هجرتها.
فقد عرفت أخيرا أن بعض الرحيل ليس نهاية الحكاية.
بل اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بكتابة نفسه من جديد.
وإن سألني أحدهم
لماذا هجرت؟

سأجيبه بهدوء

هجرت ديارا لا وقار بها، لأنني لم أعد أملك رفاهية أن أخسر نفسي لأبقى فيها.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً