تخطي للذهاب إلى المحتوى

جُرحٌ في الزاوية

30 أغسطس 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

د. عبير سعد - مصر

جُرحٌ في الزاوية
نُجيدُ استدعاء الجراح، ونحفظ تفاصيل اللحظات التي انكسر فيها خاطرُنا، ونستطيعُ أن نُحصي بدقة من خذلنا، ومن تأخر، ومن قصَّر.
لكننا نادرًا ما نقف أمام مرآة النفس لنسأل:
هل مررنا في حياة أحدهم كعابرٍ ثقيل الظل؟
هل خرج إنسانٌ من صحبتنا وهو يحمل في صدره أثر كلمةٍ منا لم نلقِ لها بالًا؟
إن النفس بطبيعتها تُحسن الدفاع عن ذاتها، وتُتقن تبرير أخطائها،
لكنها لا تُحسن محاسبتها إلا إذا أيقظها ضميرٌ حي.
يقول الله تعالى:
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}
فالعدل يبدأ من داخلنا، حين لا ننحاز لأنفسنا في ميزان الخطأ والصواب.

يقول رسول الله ﷺ:
"المسلمُ مَن سلِمَ المسلمونَ من لسانِه ويدِه"
المعيار الحقيقي هنا ليس في شعورنا أننا لم نُؤذ، بل في شعور الآخر تجاهنا.
فكم من كلمةٍ قيلت في لحظة غضب، تركت أثرًا لا يُمحى في قلبٍ رقيق، وكم من تجاهلٍ حسبناه عابرًا، كان في ميزان غيرنا خذلانًا موجعًا.
إن النضج الروحي لا يتحقق حين نُحصي إساءات الآخرين إلينا، بل حين نجرؤ أن نقول:
ربما أخطأت، ربما قصرت، ربما كان في تصرفي قسوة لم أشعر بها.
يقول الله تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}
فالإنسان _ مهما ادعى البراءة _ يعلم في قرارة نفسه مواضع التقصير.
لسنا ملائكة، ولسنا دائمًا ضحايا، قد نُظلَم… نعم؛ لكننا قد نَظْلِم أيضًا _ دون قصد _ حين لا ننتبه لأثرنا في قلوب الآخرين.
فليس كل ألمٍ يرفع صوته...
بعض الجراح تسكن في زاوية صامتة من القلب، نحسبها هيّنة، بينما هي عند صاحبها ثقيلة...
لنراجع أنفسنا قبل أن نراجع الناس، فالقلوب تُجبر بالاعتذار، والعلاقات تُرمم بالعدل، والنفوس تسمو حين تُحاسِب ذاتها قبل أن تُحاسَب.

د. عبير سعد

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً