د. داليا صلاح - مصر
رمزية المرأة في شعر فوزي عيسى
في زمن تتصارع فيه الكلمات وتتقاذفها أمواج الواقع، ظلت المرأة ولا تزال الملهم الأبدي لشعراء العصور كافة؛ فقد تجاوزت لديهم حدود الكينونة البشرية لتغدو هي الأمان والسكن والموطن الدافئ الذي يفر إليه الشاعر كلما اشتدت عليه نوائب الدهر وضاقت به رحاب الأيام.
ومن هذا المنطلق الإنساني العميق، تشكلت صورة المرأة في عوالم الشاعر فوزي عيسى الشعرية بأبعاد متعددة وأشكال ثرية؛ فلم تكن مجرد عاطفة عابرة، بل ارتقت لتلامس جلال القضية الكبرى، حين صاغ منها رمزاً متكاملاً للوطن المكلوم والآمل معاً.
إذ يقول الشاعر مبئراً هذه العلاقة الوجدانية العميقة:
أعانق في مقلتيك الأمل
فأنت التي تسكنين الفؤاد
وكل البلاد - سواك - طلل
لقد أولى فوزي عيسى عناية فائقة بشعر الوطن، متأثراً بالعمق الرمزي للمرأة في مسيرة الشعر العربي المعاصر، وموظفاً إياها مرآةً صافيةً تعكس خلجات النفس الإنسانية وخواطر الروح الهائمة.
إن نداء المرأة هنا يتحول تدريجياً إلى نداء للتربة الجريحة والأرض المسلوبة، حيث تذوب الحدود الفاصلة بين المرأة والوطن في بوصلة الانتماء الواحد فيقول:
ويمرُّ عامٌ .. بعدَ عامْ
وأسيرُ أبحثُ عنكِ
في أحياء بلدتنا
وفي وسط الزحام
وبهذا الأسلوب البارع، يرتفع الشاعر بالنص فوق التفسير المباشر؛ فهو لا يتحدث عن امرأة تجلس في خيال العزلة، بل يتوسد عتبات الذكريات ليفتش عن وطنه وسط ركام الزحام وتصاريف الأيام.
إنها إشارة ذكية وغير مباشرة تختزل آلام الوطن وهمومه وقضاياه المصيرية في قالب إنساني نابض بالحياة، ليغدو غياب المرأة هو الغياب الموجع للوطن، وقربها هو طوق النجاة الأخير.
بقلم: د. داليا صلاح