تخطي للذهاب إلى المحتوى

صرخة الحنين إلى الجذور

30 أغسطس 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

شيماء محمد - مصر

تتسرب الأيام من بين أصابعنا كحبيبات رمل ناعمة، ومعها تتسلل ملامحنا القديمة، تلك التي طالما نقشناها فى الذاكرة بحبر الأصالة والدفء.
نقف اليوم أمام مرآة الزمن فلا نكاد نرى سوى أطياف شاحبة لغرباء يتحدثون بألسنتنا، لكنهم يرتدون أرواحاً استعارت خطاها من ضفاف أخرى، بعيدة كل البعد عن أصولنا وجذورنا العريقة.
لقد تبدل المعنى، وانقلبت المفاهيم في خضم عاصفة جارفة تُسمّى زوراً بالتقدم. صار التحرر من الانتماء شجاعة، والتجرد من عباءة الأسرة تطوراً، وكأن العراقة وزفرات الحنين ورائحة الأمهات قد أصبحت أثاثاً قديماً يُلقى به في زوايا النسيان لنفسح المجال لطراز غربي أجوف، بارد كمرمر المعارض، يخلو من النبض والروح. نتفاخر بكل ما هو وافد، نقتبس لغاته ونمأنط عاداته، وكأننا ننفض عن أكتافنا غبار تاريخ طويل بثقة العارف وما هي إلا ثقة الجاهل بما يفرط فيه.

تلك البيوت التي كانت تشهد على دفء الحكايات وحنو الوجوه العتيقة، باتت صامتة، توحشتها الوحشة وقطعت أواصرها أعاصير الفردانية المقيتة. لم يعد الجلوس حول مائدة العائلة مبعث طمأنينة، بل قيداً يزعج خطوات العابرين نحو "عالمهم الحديث". لقد استبدلنا بالدفء الأسري عزلات أنيقة، وبالتراحم الإنساني شعارات جوفاء للحرية الفردية التي لا تقدم سوى الهشاشة والوحدة. لقد أضعنا الطريق، فضاع الأبناء بين شرق لا يعرفون لغته الروحية وغرب لا يمنحهم سوى قشور ظاهرة وحطام مادي.

ولم يكن هذا الانسلاخ ليجد له جذراً يرتكز عليه لولا تلك اليد الخفية التي مُدّت إليه من داخل الحصن نفسه؛ حيث تحول بعض الأهالي عن جهل أو حسن نية إلى شركاء في الجريمة. فبأيديهم رُفعت رايات "التفتح" المزعوم، وصاروا يصفقون لكل وافد غريب، دافعين أبناءهم نحو حافة التقليد الأعمى وكأنهم يسلمونهم إلى العدم برضا تام. ولنبارك لبعض الآباء والأمهات هذا التنكر للجذور، متخيلين أنهم يمهدون لأبنائهم طريق المستقبل، وما دروا أنهم يغرسون في عقولهم الفراغ. هكذا بات البيت الذي وُجد أصلاً ليكون الملاذ والدرع هو الآن الذي يهدم الجدار الأخير للاستقرار واليقين، ليقف الأبناء ضائعين بين رغبة جامحة في التشبه بالآخر، وصرخة خفية لدموع أمهات عتيقات باركن السراب فاستيقظن على وجع الخراب.

إن الإنسان لا يُقاس بما استعارة من بريق الآخرين، بل بما يلبسه من عباءة هويته الخاصة؛ فلكل بلد إرثه الذي يزهو به، وتقاليده التي تُنسج من خيوط العزة والكرامة. وحين يفتخر الإنسان بعبق تراثه، أياً كان وطنه، فإنه يعلن ولاءه لمنبت أصله وجذور كيانه، لا ينحني لتيارات الاستلباب الفكري، بل يبقى راسخاً كالجبال التي لا تهزها ريح العولمة العابرة. إن تنوع الثقافات وتشبث كل أمة بخصوصيتها هو السد المنيع أمام طوفان التمساخ الحضاري الذي يريد للعالم أن يصبح نسخة باهتة لا لون لها ولا طعم.

وحين ينقشع الغبار الكاذب عن تلك المتاهة المضيئة، لا يجد الإنسان المنسلخ سوى كفّين فارغتين ومرآة تعكس وجه غريب لا يمتّ إليه بصلة. إن الأوطان والجذور لا تنسلخ عنا بسهولة؛ فحين ننزعها بأصابع التمرد العابث، فإننا لا نتحرر، بل نقتلع قلوبنا من صدورنا لنعيش كالأشجار المقطوعة، بلا ظل يحمينا وبلا عابر نلتمس عنده شيئاً من الدفء الحقيقي.

فيا أيتها القلوب التي أتعبها الاغتراب، عودي إلى مهاد الدفء والينابيع الأولى. وحدها العودة إلى رحاب الروح، وإلى تلك الوجوه الطيبة التي طالما انتظرتنا على عتبات البيوت العتيقة وتحت ظلال تقاليدنا البهية، كفيلة بأن تغسل عنا أدران الشتات. فهلمّ ننفض عنا غبار السراب، لعلنا ندرك قبل أن يدركنا المسير ومضات الحنين، فنرتمي بلا خوف في حضن التاريخ، حيث العطر القديم، وحيث الأمان الذي لا يُشترى، والأشخاص التي تُعيدنا حقاً إلى بيوتنا وإلى أنفسنا.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
خير_وأبقى (13)