بقلم: أيهم الدقم
طَائِرُ الأَلْبَاتْرُوس: عُنُوقَةُ المَسَافَاتِ وَنَبْضُ الذَّات
فِي أَقْصَى عُزْلَةِ المُحِيطَاتِ، حَيْثُ يَلْتَقِي المَاءُ بِالسَّمَاءِ، وَيَتَمَاهَى الكِبْرُ بِالكَمَدِ، يَحْلِكُ طَائِرُ الأَلْبَاتْرُوسِ بِأَجْنِحَةٍ عَرِيضَةٍ تُمَزِّقُ العَاصِفَةَ وَلاَ تَسْتَسْلِمُ لِلتَّعَبِ، فَيَصْمُدُ فِي المَطَرِ وَيَسْلَمُ مِنَ الخَطَرِ. هذَا الطَّائِرُ الَّذِي يُقْضِي سَنَوَاتٍ طِوَالاً هَائِمًا فَوْقَ الأَمْوَاجِ دُونَ أَنْ تَمَسَّ قَدَمَاهُ اليَابِسَةَ، لَيْسَ مُجَرَّدَ رَمْزٍ لِلْحُرِّيَّةِ فِي الفَضَاءِ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ نَفْسِيَّةٌ صَادِقَةٌ تَعْكِسُ أَعْمَاقَ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي صِرَاعِهَا وَمَسَارِهَا، وَفِي ثَبَاتِهَا وَإِنْكِسَارِهَا.
تَتَجَلَّى أُولَى الصِّفَاتِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الأَلْبَاتْرُوسِ وَالإِنْسَانِ فِي مَفْهُومِ العُزْلَةِ الإِيجَابِيَّةِ. يَقْطَعُ الطَّائِرُ آلاَفَ الأَمْيَالِ بِمُفْرَدِهِ، لاَ يُؤْنِسُهُ سِوَى صَدَى هَدِيرِ المَاءِ، لَكِنَّهُ لاَ يَنَكَسِرُ أَمَامَ الوَحْدَةِ وَالوَحْشَةِ، بَلْ يَسْتَغِلُّ الرِّيَاحَ المَعَاكِسَةَ لِيَرْتَفِعَ أَعْلَى، فَيَسْتَبْدِلُ الشَّتَاتَ بِالثَّبَاتِ. وَكَذلِكَ الإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَمُرُّ بِفَتَرَاتِ الِاعْتِزَالِ النَّفْسِيِّ، فَهِيَ لَيْسَتْ دَوْمًا غَرَقًا فِي الجَفَاءِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ فُرْصَةً لِلصَّفَاءِ، وَلِلإِبْحَارِ فِي الذَّاتِ وَتَرْمِيمِ المَشَاعِرِ المُنْكَسِرَةِ كَيْ يُعَادَ بِنَاؤُهَا بَيْنَ الأَمَلِ وَالأَلَمِ.
كَمَا يُجَسِّدُ الطَّائِرُ ظَاهِرَةَ المَرُونَةِ النَّفْسِيَّةِ؛ فَهْوَ لاَ يُحَارِبُ العَواصِفَ بَلْ يَتَأَقْلَمُ مَعَهَا، يَسْتَفِيدُ مِنْ دَفْعِ الرِّيحِ لِيُحَلِّقَ بِأَقَلِّ جُهْدٍ مُمْكِنٍ، فَيَكُونُ كَالغُصْنِ يَنْحَنِي وَلاَ يَنْكَسِرُ. الإِنْسَانُ المَرِنُ نَفْسِيًّا يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يُوَاجِهُ ضُغُوطَاتِ الحَيَاةِ بِذَاتِ الطَّرِيقَةِ؛ فَلاَ يَتَصَادَمُ مَعَ الأَزَمَاتِ بِعُنْفٍ يُهَشِّمُهُ، بَلْ يَتَكَيَّفُ مَعَهَا لِيَعُودَ بَعْدَ السُّقُوطِ فِي صُعُودٍ، وَبَعْدَ الضَّعْفِ فِي قُوَّةٍ وَصَلاَبَةٍ.
وَلاَ نَنْسَى مَفْهُومَ الانْتِمَاءِ وَالوَفَاءِ. رَغْمَ أَنَّ الأَلْبَاتْرُوسَ يَقْضِي سَنَوَاتٍ مُبْتَعِدًا فِي البُعْدِ وَالجَفَاءِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَعُودُ دَائِمًا إِلَى المَوْطِنِ نَفْسِهِ وَإِلَى الشَّرِيكِ ذَاتِهِ، فَيَجِدُ فِي القُرْبِ صَفَاءً. إِنَّهَا الحَاجَةُ الفِطْرِيَّةُ لِلأَمَانِ وَالعُثُورِ عَلَى المَلْجَأِ النَّفْسِيِّ، تَمَامًا كَالإِنْسَانِ الَّذِي يَهِيمُ فِي زَحْمَةِ الحَيَاةِ وَتَشَتُّتِهَا، لَكِنَّهُ يَظَلُّ يَبْحَثُ عَنْ أَرْضٍ ثَابِتَةٍ تَحْتَضِنُ قَلْبَهُ وَتَمْنَحُهُ السَّكِينَةَ بَعْدَ الخَوْفِ، وَالمَسَرَّةَ بَعْدَ الحُزْنِ.
إنَّ فِي طَيَرَانِ الأَلْبَاتْرُوسِ دَرْسًا جَسُورًا لِكُلِّ مَنْ يَخَافُ المَجْهُولَ: الشَّجَاعَةُ لَيْسَتْ فِي غِيَابِ الخَوْفِ، بَلْ فِي المَضِيِّ قُدُمًا رَغْمَ وُجُودِهِ. بَيْنَ ظَلَامِ الخَوْفِ وَأَمَلِ السَّلاَمِ، وَبَيْنَ شِدَّةِ المِحْنَةِ وَفَرَجِ المِنْحَةِ، يَبْقَى الإِنْسَانُ طَائِرًا يَبْحَثُ عَنْ شَاطِئِهِ، يَسْقُطُ حِينًا وَيَحْلِقُ أَحْيَانًا، حَتَّى يَصِلَ إِلَى الطَّمَأْنِينَةِ المَرْجُوَّةِ.
فَكُنْ كَالْأَلْبَاتْرُوسِ؛ لاَ تَخَشَ الرِّيَاحَ العَاتِيَةَ بَلِ اتَّخِذْهَا مَعْبَرًا لِلْعُلُوِّ، وَاجْعَلْ مِنْ عُزْلَتِكَ بَنَاءً لَا فَنَاءً، وَمِنْ صَبْرِكَ جَسْرًا لِلنَّجَاءِ.