د. محمود شعبان - مصر
( نظرتان )
لم يكن هذا الصباح الشتوي عاديًا في أطراف القرية؛ فالليلة الفائتة تركت خلفها سماءً مغسولة، وأرضًا شربت حتى الثمالة، فتحولت الحقول الممتدة إلى مساحات شاسعة من الطين اللزج والأوحال .
وقف (بشير) و(نذير) عند حافة الحقل. كان نذير يحدق في المدى، عاقدًا حاجبيه، ثم هز رأسه متأففًا وقال:
"يا للخسارة! انظر كيف ابتلع الوحل الطريق، وغرقت الأرض، وتعطلت خطى الناس."
لم يرد بشير. انحنى بهدوء، وغمس أصابعه في قلب الأرض المبتلة، ثم رفع قبضة من الطين، وتأملها كمن يمسك كنزًا ثمينًا، وقال في هدوء:
"ومن هذا الطين نفسه سيولد القمح بعد أشهر، وستمتلئ السنابل بالذهب الأبيض، ويعود الفلاحون إلى هنا تسبقهم أغنيات الحصاد " .
ابتسم نذير ساخرًا وقال:
"أنت منفصل عن الواقع... وتعيش في الأوهام".
رفع بشير بصره إليه وقال:
"بل أراه كاملًا. أنت تقف عند حدود المطر، وأنا أعبر إلى ما بعده. أنت ترى قيد الطين، وأنا أرى السنابل المختبئة في أحشائه."
ثم ابتسم وأضاف:
"أتعلم؟ لقد خطر ببالي الآن أننا نشبه ما جمعه القرآن في قوله تعالى: "بشيرًا ونذيرًا" ليس في المعنى، ولكن في طريقة النظر؛ فأنا أبشر نفسي بما يمكن أن يكون، وأنت لا ترى إلا ما تخشى أن يكون" ،
ثم ساد الصمت قليلا .
كانت الأرض واحدة، والمطر واحدًا، والطين واحدًا، لكن النظرتان كانتا مختلفتان .
وفي طريق العودة، كان نذير يراقب الطين العالق بحذائه، ويزداد ضيقًا مع كل خطوة، أما بشير فكان يبتسم لفلاح يشق مجرى صغيرًا للماء، ويتأمل طفلًا يركض ضاحكًا تحت الرذاذ، ثم استوقفه عصفور صغير هبط على الأرض المبتلة، يلتقط حبة منسية قبل أن يحلق في السماء.
قال بشير وهو يتابع العصفور بعينيه:
"لقد كان رسول الله يعجبه الفأل، لأنه يفتح للنفس باب الرجاء، ويمنحها قوة تمضي بها إلى العمل. وما رأيت متفائلًا توقف يوما عن السعي، ولا رأيت متشائمًا زاده تشاؤمه إلا عجزًا على عجز " .
نظر إليه نذير طويلًا، ثم ألقى نظرة أخرى إلى الحقل. كانت الأرض هي الأرض، لكن شيئًا ما بدا وكأنه تغير... أو لعل الذي تغير لم يكن الأرض ولا الطبيعة وإنما العين التى تنظر .
فى ذلك اليوم بدا أن الحياة لا تمنح الناس مشاهد مختلفة، وإنما تمنحهم المشهد نفسه، ثم تترك لكل إنسان أن يختار العين التي ينظر بها إليه.