تخطي للذهاب إلى المحتوى

متلازمة إرضاء الناس .

30 أغسطس 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

د. محمد سيف - مصر

إرضاء الناس على حساب نفسك  الطريق
إلى الاستنزاف وفقدان الذات

إذا كنت تعاني من نزعةٍ دائمة إلى إرضاء الآخرين، حتى وإن كان ذلك على حساب راحتك واحتياجاتك وكرامتك، فاعلم أن استمرارك في هذا الطريق قد يقودك إلى إرهاق نفسي مستمر، واستنزاف عاطفي، وشعورٍ متزايد بأنك تمنح الكثير، بينما لا يعود إليك إلا القليل.
قد تبدأ الحكاية من موقف بسيط: توافق على أمر لا تريده لأنك تخشى أن يغضب الآخرون، أو تلتزم بطلب يفوق قدرتك لأنك لا تريد أن تبدو أنانيًا، أو تصمت عن حقك حتى لا تدخل في خلاف. ومع تكرار هذه المواقف، يتحول الأمر من مجرد «لطف» إلى نمط حياة، تصبح فيه مشاعر الآخرين واحتياجاتهم أولوية دائمة، بينما تؤجل نفسك إلى آخر القائمة.
كل مرة تصمت فيها خوفًا من أن ينزعج أحد، قد ينتهي بك الأمر إلى الانزعاج أنت.
وكل مرة توافق فيها على شيء لا تريده، فقط لأنك لا تستطيع أن تقول «لا»، قد تتنازل عن جزء صغير من ذاتك.
وكل مرة تقول فيها: «لا مشكلة ، المهم أن يكون الجميع سعداء»، قد ترسل، من حيث لا تدري، رسالة إلى الآخرين مفادها أن راحتك ليست أولوية.
ومع الوقت، يبدأ الثمن الحقيقي في الظهور.
عندما تصبح الطيبة عبئًا :
إرضاء الناس ليس خطأ في ذاته، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى العلاقات والمحبة والقبول، ومن الجميل أن نراعي مشاعر الآخرين وأن نقف إلى جانبهم. المشكلة تبدأ حين يصبح رضاهم شرطًا ضروريًا لرضاك عن نفسك.
حين تشعر بالذنب لأنك رفضت طلبًا لا تستطيع تلبيته، أو تخاف أن يفقدك الآخرون إذا وضعت حدودًا واضحة، أو تعتذر باستمرار عن أمور لا تستدعي الاعتذار، أو تشعر بأن قيمتك مرتبطة بمدى ما تقدمه للناس؛ فهنا قد لا يكون الأمر مجرد طيبة، بل نمطًا يستنزفك ويهدد توازنك النفسي.
فالطيبة الصحية تمنحك القدرة على العطاء، أما إرضاء الناس على حساب نفسك فيسلبك القدرة على الاختيار.
الطيبة تجعلك تساعد الآخرين لأنك تريد ذلك، أما الخوف من إغضابهم فيجعلك تساعدهم لأنك تخشى عواقب الرفض.
وهناك فرق كبير بين أن تقول «نعم» وأنت مقتنع بها، وبين أن تقولها بينما تصرخ نفسك من الداخل: «لا أريد».
المشكلة ليست في العطاء بل في إلغاء الذات
قد يمنحك إرضاء الآخرين شعورًا مؤقتًا بالقبول. تشعر بأن الجميع يحتاجون إليك، وأن وجودك مهم، وأن الناس يحبونك لأنك دائمًا حاضر ومستعد للتضحية.
لكن اسأل نفسك سؤالًا صريحًا: هل يحبونك أنت، أم يحبون النسخة التي لا ترفض لهم طلبًا؟
هذا السؤال قد يكون مؤلمًا، لكنه ضروري.
لأن بعض العلاقات لا تُختبر حقيقتها عندما تستمر في العطاء، بل عندما تتوقف قليلًا وتضع حدودك. عندها فقط تعرف من يحترمك كشخص، ومن كان معتادًا على الاستفادة من غياب حدودك.
ومع مرور الوقت، قد تكتشف حقيقة مؤلمة: لقد اعتاد الناس على عطائك، حتى أصبح بالنسبة إليهم أمرًا طبيعيًا. لكن قلةً منهم اعتادت أن تسأل: وأنت، كيف حالك؟ ماذا تحتاج؟ وهل تستطيع أن تتحمل المزيد؟
وهنا يكمن أحد أخطر جوانب إرضاء الناس: أنك قد تعطي كثيرًا إلى درجة تجعل الآخرين ينسون أنك إنسان له طاقة محدودة، ومشاعر، واحتياجات، وحق في الراحة.

بل إنك أحيانًا قد تكون أنت نفسك قد نسيت ذلك.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً