تخطي للذهاب إلى المحتوى

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ.. بين التربية والصحة النفسية

21 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم: د. عبير سعد

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ.. بين التربية والصحة النفسية

مقولة تتردد على ألسنة كثير من الآباء والأمهات، «العيال بيبصوا لبعض»… قد تكون وصفًا لواقع،
لكن الخطأ أن يتحول وصف الواقع إلى قاعدة تربوية تحكم قرارات الأسرة.

وهنا تظهر وظيفة التربية بوضوح؛ فالأصل التربوي واضح في التوجيه القرآني:

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾

فالآية تربي على ألا تمتد العين إعجابًا وتعلقًا إلى ما عند الآخرين، وألا تتحول زينة الدنيا إلى معيار للقيمة أو سبب للحسرة.

فلنتأمل الواقع في كثير من البيوت:

إذا كان زميله يأخذ مصروفًا أكبر، زدنا مصروفه.

وإذا كانت زميلتها تحمل هاتفًا أحدث، اشتريناه لها.

وإذا كانت أسر زملائهم تسافر كثيرًا، أصبح السفر ضرورة.

وإذا ارتفع مستوى الإنفاق في المدرسة، دخلنا في سباق لا نملك تكلفته.

وهكذا يصبح الطفل هو الذي يحدد للأسرة مستوى إنفاقها، لا احتياجات الأسرة وقدرتها وقيمها.

والنتيجة أن الطفل لا يتعلم القناعة…

بل يتعلم أن الفارق بينه وبين الآخرين يجب أن يُلغى دائمًا.

وهذه تربية خطرة.

لأن الحياة نفسها لن تسمح له بذلك.

سيكبر، وسيرى من يملك أكثر منه في كل مرحلة:

منزلًا أكبر…
سيارة أحدث…
وظيفة أعلى…
سفرًا أكثر…
ومستوى معيشة مختلفًا.

فهل سنظل طوال حياته نحاول أن نساوي بينه وبين كل من يراه؟

أم نمنحه منذ طفولته شيئًا أثمن:

قدرة داخلية على ألا يقيس نفسه بالآخرين؟

وهذه القاعدة التربوية لا تتعلق بكيفية استجابة الأسرة لما يراه الطفل بعد وقوع المقارنة فحسب، بل تمتد إلى القرارات التي تسبقها؛ ومن أهمها اختيار البيئة التي ينشأ ويتعلم فيها.

## ولهذا تصبح البيئة التعليمية قرارًا تربويًا

اختيار المدرسة لا يتعلق فقط بالمنهج والمستوى الأكاديمي.

فالطفل يعيش داخل بيئة اجتماعية يومية، يرى فيها أنماطًا مختلفة من الحياة، ويتأثر بعلاقاته بأقرانه وبالمعايير السائدة بينهم.

ولهذا من الحكمة أن تسأل الأسرة قبل اختيار المدرسة:

هل هذه البيئة مناسبة لقدراتنا وظروفنا؟

هل يستطيع طفلنا أن يعيش فيها دون ضغط مادي مستمر؟

هل سيكون مطالبًا بمستوى من الإنفاق لا تستطيع الأسرة تحمله؟

هل سيصبح معظم حديث الأطفال عن الهواتف والملابس والرحلات والمظاهر؟

وهل تستطيع الأسرة أن تضع حدودًا واضحة دون أن يشعر الطفل طوال الوقت بأنه يعيش حياة أقل من الآخرين؟

وهنا تبرز نقطة أخرى لا تقل أهمية:

فالمدرسة ليست مكانًا للتنافس على مستوى المعيشة، وإنما بيئة للتعلم والنمو وبناء الشخصية وتحقيق الطموح العلمي.

وقد تكون المدرسة أعلى من غيرها في المستوى الأكاديمي، وهذا من مزاياها، لكن السؤال التربوي لا ينبغي أن يكون: هل نستطيع إدخال ابننا إليها؟ فقط، وإنما أيضًا:

هل يستطيع أن يعيش فيها متزنًا، ويستفيد من تعليمها، ويظل قادرًا على التركيز على الغاية التي ذهب إليها من أجلها؟

فالبيئة التي تجعل الفوارق المادية حاضرة بقوة في حياة الطفل قد تشغله بما يراه حوله، وتدفعه إلى الالتفات المستمر إلى ما عند الآخرين، بدل أن يتوجه اهتمامه إلى السبب الأصيل من وجوده في المدرسة:

أن يتعلم، وينمو، ويكتشف قدراته، ويبني مستقبله.

ومن هنا، فإن الهدوء النفسي والقدرة على التركيز والشعور بالانتماء دون ضغط مادي مستمر ليست أمورًا هامشية عند اختيار البيئة التعليمية؛ بل عوامل ينبغي أن تضعها الأسرة في حسابها، إلى جانب جودة التعليم والاحتياجات الأكاديمية للطفل.

فليست الرسالة أن تحسين مستوى المعيشة أمرٌ مذموم، بل هو من باب السعي والاجتهاد،
وإنما الرسالة أن المظاهر ليست معيارًا للتفاضل، وأن رزق الله أوسع من الأشياء التي تقع عليها العين.

وأن كرامة الإنسان لا تُقاس بحجم مصروفه، ولا بنوع هاتفه، ولا بسعر ملابسه، ولا بعدد الأماكن التي زارها.

فالتربية ليست أن نلبي للطفل كل ما لدى الآخرين…

بل أن نربي فيه نفسًا قنوعة تحمد الله على نعمه، وتسعى فيما ينفعها، ولا تتعلق بما عند الآخرين فتفقد شكر ما عندها.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
الوارث الوحيد،.