بقلم : شيماء محمد
تتعثر تلك الأقدام الصغيرة على عتبات الحياة، لا لأن الدرب وعر بل لأن الأيادي التي ربت عليها أفرطت في حملها حتى نسيت تلك الأقدام كيف تلامس الأرض بمفردها.
في ذلك البيت الهادئ، حيث تنعكس أشعة الشمس الرخوة على زجاج النوافذ وتفوح رائحة الدفء والأمان كانت "سارة" تمارس طقوس الأمومة بحماس غامر.
لم تكن ترى في طفلها الوحيد "زياد" مجرد كائن ترعاه بل كانت تراه قطعة من روحها تخشى عليها حتى من نسمات الهواء العابرة.
كل طلب كان مجاباً قبل أن ينطق به، وكل عقبة كانت تزيحها من طريقه قبل أن يصطدم بها. كانت تقطع له اللحم، وتنظف وتضع حذاءه فى مكانه المعتاد.
وتجيب عن الأسئلة الموجهة إليه نيابة عنه، ظانة أنها بذلك تمنحه أطواق النجاة في بحار الحياة المتلاطمة.
لكن الأيام تمر وكبر "زياد" جسداً لكنه بقي طفلاً روحياً وعقلياً حبيس قفص التبعية المطلقة. لم يدرك الأهل حينها أن الإفراط في الرعاية يولد إعاقة خفية، وأن الحب حين ينزع عنه منطق التدرج والتمكين يتحول إلى سجن محكم الإغلاق.
أصبح الشاب عاجزاً عن اتخاذ أبسط القرارات؛ يرتجف أمام مواجهة مشكلة دراسية ويهاب خوض تجربة جديدة، بل ويتكئ بكل ثقله على كاهل والديه اللذين بدأ شبحهما ينحني تحت وطأة السنين والتعب.
لقد صنعوا منه تمثالاً من زجاج فاخر يزينون به صدر البيت لكنه يفتقر إلى الصلابة والقدرة على مواجهة رياح الواقع.
وهنا التشوه الحقيقي لم يكن في عجز جسدي ، بل كان في تشوه الإرادة وبتر الجناحين قبل محاولة الطيران الأولى.
حين تنجلي غشاوة العاطفة المفرطة، وتتراءى الحقائق عارية تحت أضواء الواقع القاسي.
يصحو الأهل على كابوس صنَعته أيديهم يدركون حينئذٍ خطيئة "الحب الأعمى" الذي تحول بغير قصد إلى معول هدم؛ فقد أخطأوا حين استبدلوا التوجيه بالإنابة وظنوا أن حماية الأبناء تتمثل في إلغاء ذواتهم ومسؤولياتهم.
وتمثل خطؤهم الجسيم في سلب الأبناء حق التجربة والخطأ، وإطعامهم خبز الجاهزية حتى ضمُرت عضلة الإرادة لديهم، فباتوا عجزةً أمام أبسط متطلبات العيش.
غير أن إدراك الخطيئة ليس نهاية المطاف بل هو المطلع الحقيقي لطريق الإنقاذ وبناء طفل مسؤول سوي الفكر والشخصية.
وهنا يبدأ العلاج الصحيح بجرأة الفطام النفسي والتدرج العاقل عبر خطوات عملية تعيد للأبناء توازنهم مثل.
أولاً/ نقل دفة القيادة:
التوقف الفوري عن اتخاذ القرارات نيابة عنهم وفسح المجال لهم لاختيار ما يخصهم مع تحمل النتائج والعواقب كجزء من التعلم.
ثانياً /إرساء ثقافة المسؤولية اليومية:
إسناد مهام منزلية وحياتية حقيقية تتناسب مع أعمارهم لتشغّل لديهم حاسة الاعتماد على الذات والشعور بقيمة الإنجاز.
ثالثاً/ التشجيع :
احتضان محاولاتهم الأولى مهما كانت متعثرة والثناء على الجهد المبذول بدلاً من لوم النتيجة أو المسارعة للتدخل والإنقاذ.
رابعاً/ الاستماع الجيد:
الإنصات لمشكلاتهم بهدوء وطرح الأسئلة الموجهة التي تحفز عقولهم على إيجاد الحلول بأنفسهم بدلاً من جاهزية الإجابات.
وبهذه المنهجية الواعية يتحول هنا الطفل من كائن مستهلك لكل جهد العائلة إلى إنسان سوي الفكر وصلب الشخصية، قادر على مواجهة عواصف الأيام بثبات واقتدار.
فالتربية الحقّة تُزهر حين يتعلم الأهل كيف يتراجعون خطوة للوراء لكي يتقدم أبناؤهم خطوات إلى الأمام في ميادين الحياة، معلمين إياهم أن قسوة الاعتماد على النفس أرحم ألف مرة من نعومة التبعية القاتلة..