تخطي للذهاب إلى المحتوى

تفكيك المركزية البشرية في البناء الروائي

10 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم د: منى جمال

عن إزاحة الإنسان وسلطة المادة: عندما يُصبح الجماد بطلاً والسرد ماديًا
في تاريخ السرد الأدبي، ظلّ الإنسان يتربع على عرش "المركزية المطلقة"؛ فهو الصانع للأحداث، والمحرك للصراعات، والمالك الوحيد لحق التعبير، بينما اكتفت الأشياء والجمادات من حوله بدور "الديكور الصامت" أو الخلفية الباهتة التي تؤثث المشاهد. غير أن هذا المنظور التقليدي يواجه اليوم تفكيكًا نقديًا وفلسفيًا عميقًا يعيد رسم خارطة الأدوار؛ حيث تتراجع المركزية البشرية ليتقدم الجماد حاملاً "فاعليته المادية الخاصة" مستقطباً بطولة النص، ومُحيلًا الإنسان إلى دور "العامل الثاني" الذي يتأثر ويستجيب.
من الضروري هنا التمييز بين حيلتين سرديتين تفصلان بين بلاغة الشكليّات وعمق الطرح؛ فالأنسنة البلاغية التقليدية تعتمد على استعارة الصفات البشرية وإلباسها للجماد كي يتصرف كالإنسان تماماً. أما "الفاعلية المادية"، وهي الجوهر الذي يستند إليه هذا التوجه، فلا تنتظر من الإنسان أن يمنح الشيء المعنى، بل يفرض الجماد سطوته بحضوره المادي، بكتلته، بتاريخه، وبقدرته على توجيه الأحداث دون أن يتخلى عن كونه جماداً. إن الشغف بـ "المادية الجديدة" يجعلنا نرى المادة كعنصرٍ فاعلٍ يمتلك سيرةً تاريخية يفرضها على المكان والشخصيات، لتغدو الحجر، والأثاث، والمقتنيات، والسلع هي الثابت الذي يستوعب تقلبات البشر العابرين.
ولم تكن هذه الفكرة مجرد افتراض نظري، بل تجسدت في نماذج سردية استثنائية على المستويين العالمي والعربي. ففي رواية "اسمي أحمر" لأورهان باموق، يتوارى الراوي العليم ليصبح اللون الأحمر، والعملة الذهبية، وفنجان القهوة، والجثة هم الرواة لمشاهدهم برؤية خاصة تجرّد الفعل البشري، فيغدو الإنسان كائناً مرئياً ومفحوصاً بعيون الأشياء التي تحيط به. وعلى مستوى الأدب العربي، تتحول "عمارة يعقوبيان" لدى علاء الأسواني إلى البطل الحقيقي الذي يدير حركة النص؛ فتاريخ العمارة وتغير طبقات ساكنيها يمثل تحولات مجتمع كامل، بينما يتغير البشر ويتشكل سلوكهم ومصيرهم وفق بنيتها المادية وشروط مكانها. وفي تجربة أخرى، يُفرد صنع الله إبراهيم في روايته "شرف" مساحات واسعة لتاريخ السلع الاستهلاكية، والمنتجات، والكتالوجات كفاعل رئيسي يوجه وعي الأفراد والمجتمع، فيظهر الإنسان مجدداً كعامل ثانٍ محكوم بإنتاج المادة واستهلاكها.
لكي يتبوأ الجماد عرش البطولة داخل البناء الروائي، يستند النص إلى تقنيات محددة؛ حيث يظهر الجماد كـ مُحرّك للصراع، عبر رسالة مطوية، أو مفتاح مفقود، أو ساعة جدارية توقفت، وهي جمادات صامتة تملك قدرة قاطعة على تغيير القرارات اليومية وإعادة تشكيل المصائر. كما تتكشف سردية الذاكرة والأثر من خلال تراكب الطبقات التاريخية على سطح المادة، كالخدوش والغبار على الأثاث والبيوت القديمة، مما يمنح الشيء شخصية تتطور وتشيخ مع الزمن مقابل هوان الجسد البشري. أضف إلى ذلك تقنية تبئير الرؤية عبر المادة، بنقل زاوية المشاهدة من عين الإنسان إلى ثبات الشيء، فيغدو الإنسان كائناً صغيراً ومتردداً أمام صلابة المادة وقسوتها.
وعندما يتصدر الجماد المشهد السردي، لا ينعدم وجود الإنسان، بل يُعاد تعريفه: إنّه ينزل من مقام "السيد الآمر الناهي" ليكون كائناً مُنصتاً ومُستجيباً. يستمد الإنسان انفعالاته، وقلقه، وحتى هويته من تفاعله مع الأشياء؛ فالبيت القديم يفرض عليه العزلة أو الحنين، والقطعة الأثرية تمنحه الشعور بالضآلة أمام التاريخ.

إن إعادة رسم خارطة الأدوار بين الذات والمادة داخل النص الأدبي ليست مجرد شَغَفٍ قرائي أو تجربة أسلوبية عابرة، بل هي الركيزة والنواة الأساسية التي عملتُ على تأصيلها وتطبيقها في أطروحة الماجستير الخاصة بي؛ أطروحة تسعى للإنصات إلى صوت الجماد حين يتكلم، وتتقصى أثره العميق في توجيه الحركة السردية برمتها

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً