بقلم : نور الباسي
لن أبكي…
ثمة حكايات لا نقرؤها لننتهي منها، بل لنحمل شيئًا من وجعها معنا، وثمة شخصيات لا تغادرنا بانتهاء صفحات الرواية، لأنها تترك في أرواحنا أسئلةً لا تكفّ عن الطرق على أبواب الصمت ونور، بطلة رواية لن أبكي ... واحدة من تلك الشخصيات التي لا يمكن المرور على مأساتها دون أن نتساءل: كم ينبغي للإنسان أن يخسر حتى يتعلّم كيف يعيش بلا انتظار؟
نشأت نور في بيت جدتها، التي احتوتها وأغرقتها بالحب والحنان، لكنها عاشت محرومة من والديها، معلّقةً بأمل عودة أمّها وكلما سألت جدتها عنها، أخبرتها بأنها سافرت لتكمل دراستها، وأنها ستعود يومًا طبيبةً وهكذا كبرت نور وهي تنسج من الغياب صورةً وردية، وتنتظر حضنًا لم تعرفه، وتؤجل فرحتها إلى يومٍ لم تكن تعلم أنه لن يأتي، كان خالها أحمد، الذي يكبرها بثلاثة أعوام، شابًا مرحًا يحاول انتزاع الكلمات من صمتها، بينما كانت هي تميل إلى الرزانة وقلة الكلام. فتاة سمراء، قصيرة القامة، ممتلئة الجسد، بشعرٍ أجعد؛ ملامح لم تكن سوى تفاصيل من صورتها، لكنها ستجد نفسها لاحقًا في مواجهة عالمٍ لا يرحم اختلافًا ولا يتردد في مضاعفة أوجاع الضعفاء وفي يومٍ من الأيام، سقط أحمد من سطح المدرسة، وفقد ذاكرته إثر الحادث كما أصيب بكسور في قدميه. اضطرت الجدة إلى ترك نور لدى جارتها، على أمل أن تجد عندها بعض الأمان، غير أن الأمان الذي يُسلَّم إلى الآخرين لا يكون دائمًا أمانًا؛ فالجارة لم ترحب بها طويلًا، ومع امتداد غياب الجدة، طردتها من منزلها في تلك الأثناء، ولكن اسامة شعر انه مسؤل عنها وخاصة بعد عقد قرانه عليها عاد بها إلى منزل الجارة وهناك، وضعت الجارة شرطًا قاسيًا: أن يبقيا في المنزل دون أن يعلم أحد بزواجهما، وأن يتزوج أسامة من شهد وافق على مضض، إذ لم يكن يملك مكانًا آخر يلجأ إليه وفي غفلة من الجميع، وجدت نور دفتر مذكراته، فانكشفت أمامها كلمات رجلٍ أحب امرأةً ولم يجرؤ على الاعتراف لها بحبه، دثّريني بعناق دافئ، باعتراف صغير، بقبلة على فؤادي، لن أخبركِ يومًا أنني أحبكِ، سأنتظر حتى تعرفي ذلك دون اعتراف يتيمٌ أنا دون وجهكِ، فأنتِ وجهتي المقصودة أريد أن يسافر إليكِ اعترافي، ولكن خارطتي أضعتها في لحن القدر أغلقت نور الدفتر، لكن الكلمات لم تُغلق أبوابها في ذاكرتها ظلّت تتردد في داخلها، تعبث بهدوئها، وتوقظ أسئلةً لم تكن تعرف لها اسمًا. ولعلّها، وهي التي اعتادت الحرمان، وجدت في تلك الكلمات شيئًا يشبه الحنان الذي افتقدته؛ أو لعلها رأت في اعترافٍ لم يُقَل صورةً أخرى من صور الحب الذي يمرّ بجوارنا دون أن يمتلك شجاعة الوصول إلينا، اقترب موعد زفاف أسامة من شهد، فأخبرته نور أن شهد تحبه، وكأنها تحاول أن تمنح قلبًا آخر فرصةً للاعتراف، رغم أنها لم تكن تملك من أمر قلبها الكثير
لكن الحياة كانت تُخفي لها وجعًا آخر في يوم الزفاف، سمعت نساءً يتحدثن عن أمها، ويتساءلن إن كانت لا تزال تجهل وفاتها، ثم يصفنها بكلماتٍ قاسية. عندها، شعرت نور وكأن خنجرًا اخترق قلبها. أمها ماتت؟ إذن، لم تكن مسافرة كما أخبروها، ولم يكن انتظارها سوى عمرٍ طويل من الوهم، كيف يمكن لطفلة أن تستوعب أن السنوات التي قضتها في انتظار حضن أمها لم تكن إلا انتظارًا لعودة مستحيلة؟ وكيف يمكن لقلبٍ صغير أن يغفر لمن جعلوه يعيش على أملٍ زائف، بحجة حمايته من الحقيقة؟
توالت الأفكار في رأسها، حتى اندلع حريق في غرفتها. حاولت الهرب، لكن الباب كان مغلقًا، فأُغمي عليها. وحين فتحت عينيها، وجدت نفسها في المستشفى، والشاش يغطّي جسدها كان الأطباء يعالجون حروقها، لكن من يستطيع أن يضمد حريقًا آخر استقر في أعماق الروح؟ رفضت نور النظر إلى المرآة طوال فترة علاجها، حتى التأمت حروقها. وحين امتلكت الشجاعة أخيرًا، نظرت إلى وجهها للمرة الأولى، فرأت ملامح لم تعد تشبه صورتها القديمة. أبعدت المرآة جانبًا دون أن تبدي رد فعل، ثم التفتت إلى جدتها وسألتها عن أمها، تلعثمت الجدة، واعترفت لها بالحقيقة: ماتت أمها، لكنها أخفت عنها الأمر حتى لا تشعر باليُتم، وتظل متعلقة بأمل عودتها، لكن ماذا عن ذلك الأمل الذي غذّوا به طفولتها؟ أكان رحمةً أم وهمًا قاتلًا؟ وأيّهما أشد قسوة: الحقيقة حين تُقال، أم الكذبة حين تتحول إلى عمرٍ كامل من الانتظار؟
انطوت نور على ذاتها أكثر، وبدأت تطرح أسئلتها على الحياة وكأنها تحاكم عالمًا لم يمنحها فرصةً عادلة منذ البداية لماذا ينجبوننا إلى مهلكة الحياة إن لم يكونوا متهيئين للاعتناء بنا؟ وإذا كانوا لا يدركون أنهم قد يعجزون عن بنائنا وحمايتنا، فلماذا يقدّموننا إلى قسوتها، تاركين ربيعنا يتوه بين غياهبها؟ إنها ليست أسئلة طفلة فقدت أمها فحسب، بل صرخة إنسانٍ اكتشف أن الحب، حين تغيب عنه المسؤولية والصدق، قد يتحول إلى شكلٍ آخر من أشكال الأذى، وأن بعض الحقائق لا تقتلنا لحظة انكشافها بقدر ما يقتلنا العمر الذي قضيناه نؤمن بنقيضها ثم تموت الجدة في حريقٍ نشب في المنزل، وتأتي صديقتها لتكشف سرًا آخر من أسرار حياة نور ففي أحد الأيام، عثرت الجدة على طفلة رضيعة قرب الطريق، فأخذتها وادّعت أنها ابنة ابنتها التي هربت مع حبيبها، ثم توفيت في حادث، حتى لا تكبر نور وهي تشعر بأنها لقيطة، وهكذا، وجدت نور نفسها أمام حقيقةٍ جديدة تسلبها حتى الاسم الذي احتمت به طوال حياتها. لم تكن تعرف أن جذورها التي بحثت عنها في بيت جدتها لم تكن جذورها وأن الحكاية التي أُحيطت بها منذ طفولتها لم تكن سوى ستارٍ كثيف من الأسرار، ركضت نور في الطريق تحت وطأة الصدمة،فصدمتها سيارة مسرعة وبعد الحادث، فقدت القدرة على المشي إثر بتر ساقيها، وقضت بقية حياتها على كرسي متحرك في ملجأ للأيتام، هناك، حيث يجتمع الأطفال الذين لم تمنحهم الحياة ما يستحقونه من أمان، بدأت نور تعتني بهم، وتربّت على قلوب المكلومين، وتمنحهم شيئًا من الحنان الذي ظلّت تبحث عنه طوال عمرها، ولعلّ هذه المفارقة هي أكثر ما يوجع في حكايتها؛ أن تتحول الفتاة التي حُرمت من الاحتواء إلى حضنٍ لغيرها، وأن تصبح، بعد كل ما خسرته، ملاذًا لمن يشبهون طفولتها. كأنها تحاول أن تمنح الآخرين ما لم تستطع الحياة أن تمنحه لها، وكأنها تردّ على قسوة العالم بطريقتها الخاصة، وفي ختام حكايتها، تقول نور: أنا حفيدة الجدران، ابنة الوحدة، لن أبكي بعد الآن. لن أبكي بعد الآن؛ لأن الحب الذي كان يجب أن يكون من نصيبي لم يكن لي، ولأن وجهي موشوم بالحروق، كلوحةٍ لا يقوى أحد على التأمل في تفاصيلها لبشاعتها، أو لأن من أنجبتني وضعتني بين أذرع الشوارع الباردة لن أبكي بعد الآن؛ لأنني لا أستطيع المشي أو الركض أو الهروب بقدميّ بعد الآن، أو لأن هذه الحياة لا تعترف باسمي الوحيد الذي لا يتبعه اسم أبٍ أو لقب عائلة. لا ذنب لي… لذا لن أبكي
لكن، هل توقفت نور عن البكاء حقًا؟ أم أن البكاء لم يعد يحتاج إلى دموع، بعدما استنفدت الخيبات قدرتها على الانهمار؟ وهل تكون عبارة «لن أبكي بعد الآن» إعلانًا عن القوة، أم اعترافًا خفيًا بأن الروح قد تعبت من انتظار الإنصاف؟
إن نور لا تختصر مأساة اليُتم وحدها، بل تضعنا أمام مسؤولية الكبار حين يقررون أن الحقيقة عبءٌ لا ينبغي للصغار احتماله، فيصنعون لهم أوهامًا يظنونها رحمة، دون أن يدركوا أن الوهم قد يصبح جرحًا مؤجلًا، وأن الحماية التي تقوم على إخفاء الحقيقة قد تسلب الإنسان حقه في فهم حياته وتتركنا حكايتها أمام سؤالٍ أشد اتساعًا من مأساتها الشخصية: ماذا يبقى للإنسان حين تُنتزع منه الروابط التي تمنحه الشعور بالانتماء؟ وهل يستطيع المرء أن يصنع معنى لحياته من بين أنقاض ما فُقد منه؟ ربما لا تمنحنا حكاية نور إجابةً واضحة، لكنها تجعلنا نعيد النظر في معنى العائلة، وفي مسؤولية الحب، وفي تلك الطفولة التي لا تطلب من العالم الكثير؛ سوى أن تكون آمنة، وأن تعرف الحقيقة دون أن تُترك وحيدةً في مواجهتها، لن أبكي ... ليست مجرد عبارة ترددها نور في نهاية حكايتها، بل سؤالٌ يظل معلقًا في داخل القارئ: كم من إنسانٍ يعلن أنه بخير، بينما يحمل في أعماقه عمرًا كاملًا من الخيبات؟
وكم من قلبٍ تعلّم أن يواسي الآخرين، لا لأنه نجا من الألم، بل لأنه يعرف، أكثر من سواه، كيف يبدو العالم حين لا يجد المرء فيه يدًا تمتد إليه؟
ربما لن تبكي نور بعد الآن، لكن حكايتها تتركنا نحن أمام وجعٍ لا يسهل تجاوزه؛ وجع طفلة لم يكن ذنبها سوى أنها وُلدت في عالمٍ لم يعرف كيف يمنحها حقها في الحب والأمان والانتماء.