بقلم : محسن علي
جريدة "زحلة الفتاة": ذاكرة مدينة في أرشيف حيّ
مقدّمة
في تاريخ الصحافة العربية، اعتاد الباحثون على تتبّع مسار النهضة الإعلامية انطلاقًا من العواصم الكبرى: القاهرة، بيروت، دمشق. تجربة جريدة "زحلة الفتاة" تقدّم نموذجًا مغايرًا، يجسّد كيف يمكن لمدينة متوسّطة الحجم أن تؤسّس لتقليد صحافيّ متجذّر يمتدّ لأكثر من قرن. انطلقت الجريدة عام 1910 لتصبح سجلاً يوميًّا للحياة في زحلة والبقاع، ومرآة عاكسة لتحوّلات المجتمع اللبناني عبر الحقبة العثمانية المتأخّرة، فالانتداب الفرنسي، فعهد الاستقلال.
التأسيس والإطار التاريخي
أسّس جريدة "زحلة الفتاة" الأستاذ شكري البخّاش عام 1910 في مدينة زحلة. ظلّ البخّاش يترأّس تحرير الجريدة ويكتب افتتاحيّاتها حتى وفاته عام 1959، وبعده تولّى جان بخّاش إدارة الجريدة.
عكست الجريدة في عناوينها وشعاراتها رسالتها الأساسية. كان شعارها الأبرز: "صلة الوصل بين لبنان والمهجر". هذا الشعار لم يكن مجرّد زينة على الصفحة الأولى، لخّص الدور الحيوي الذي لعبه الصحيفة كحلقة وصل بين أبناء زحلة في الداخل والجالية الزحلية المنتشرة في المهجر، خاصّة في الأميركيّتين.
شهدت الجريدة مراحل تحوّل كبرى. خلال الحرب العالمية الأولى، توقّف صدورها في زحلة، فانتقل بها مؤسّسها إلى الولايات المتّحدة الأميركية حيث صدرت تحت اسم مختلف. هذا الانتقال لم يكن مجرّد هجرة اضطرارية، حوّل الجريدة إلى منبر للمهجر اللبناني، ما عزّز دورها كصوت للمغتربين وجسر للتواصل مع الوطن.
أرشيف حيّ في زحلة
على عكس الاعتقاد السائد بضياع معظم الصحف العربية القديمة، فإن أرشيف "زحلة الفتاة" لا يزال محفوظًا في مدينة زحلة نفسها. في عام 2019، قامت بلديّة زحلة - معلقة وتعنايل بضمّ هذا الأرشيف رسميًّا. يتضمّن الأرشيف حوالي 5800 عدد، مسجّلة في 69 سجلاً، تغطّي الفترة الممتدّة من عام 1911 حتى 2016، باستثناء سنة 1915 فقط بسبب انقطاع الحرب. توجد نسخ رقميّة لأعداد سنة 1924 جُلبت من مكتبة الكونغرس الأميركي لسدّ الثغرات.
قيمة هذا الأرشيف العلمية لا تكمن في كميته فقط، في كونه المصدر المعلوماتي الوحيد عن زحلة والبقاع في الحقبة الممتدّة من 1911 إلى 1920، وهي فترة زمنية شحيحة بالمصادر المحلّية الموثّقة.
قامت بلديّة زحلة بجهود ممنهجة لترميم هذا الأرشيف وتنظيمه. في تموز 2023، استضافت البلديّة بعثة فرنسية متخصّصة من مقاطعة "السين-مريتيم" لتدريب الموظّفين والطلّاب والمتطوّعين على أساليب حفظ الأرشيف وتصنيفه وفق المعايير العلمية العالمية. تهدف هذه الجهود إلى تحويل قسم الأرشيف في البلديّة إلى مركز أبحاث مفتوح للباحثين.
القيمة العلمية للأرشيف
لتقييم أهمّية هذا الأرشيف، يمكن النظر إليه من عدة أبعاد:
أوّلاً: القيمة التاريخية: صدرت الجريدة بالتزامن مع مرحلتين بالغتي الأهمّية في تاريخ لبنان والمنطقة: الحكم العثماني المتأخّر ثمّ الانتداب الفرنسي. تسجّل بانتظام تحوّلات السلطة والمجتمع على امتداد عقود.
ثانيًا: القيمة الأدبية: استعانت الجريدة بأقلام كبار أدباء لبنان والعرب، من أمثال جبران خليل جبران، أمين الريحاني، ومي زيادة. صفحاتها لا تحمل الأخبار فقط، تشكّل مختبرًا للأفكار والحركات الأدبية التي شكلت النهضة العربية. هذا البعد الأدبي يمنح الجريدة قيمة ثقافية تتجاوز وظيفتها الإخباريّة.
ثالثًا: القيمة الاقتصادية والاجتماعية: تتبّع الجريدة التطوّر الاقتصادي لزحلة، من ازدهار زراعة الحرير والعنب إلى تحوّلات الهجرة. تسجّل بدقّة حركة الأسعار، أحوال المواسم الزراعيّة، وأخبار التجّار والمغتربين. بهذا المعنى، تشكّل مادة لا غنى عنها لأي دراسة عن تاريخ البقاع الاقتصادي والاجتماعي.
رابعًا: القيمة البحثية: صدرت الجريدة بشكل منتظم ودوري منذ مطلع القرن العشرين، ما يجعلها سجلاً متّصلاً، يسمح للباحث بتتبّع الأحداث وتحليل الاتّجاهات على مدى زمني طويل بدلاً من الاعتماد على وثائق متفرّقة أو متقطّعة.
الافتتاحيّات كمنهج فلسفي
من أبرز ما يميّز "زحلة الفتاة" افتتاحيّات مؤسّسها شكري البخّاش. لم تكن هذه الافتتاحيّات مجرّد تعليقات على حدث آني، كانت تأمّلات في قضايا الحرّيّة، الهويّة، النهضة، وعلاقة لبنان بمحيطه العربي والعالمي. تمتّع البخّاش بثقافة موسوعية جعلت من كلمته مسموعة على المستوى الوطني، خاصّة في قضايا النضال من أجل الحريّات. هذا البعد الفلسفي في الكتابة الصحافيّة اليوميّة هو ما يمنح "زحلة الفتاة" استثنائيّتها، ويجعلها مختلفة عن كثير من الصحف المحلّيّة التي اقتصرت على الأخبار والإعلانات.
الصحافة كجسر
لم تكن "زحلة الفتاة" مجرّد صحيفة تصدر في زحلة، كانت صحيفة عن زحلة ولأهل زحلة. هذا الفارق جوهريّ. هي لم تخبر سكان المدينة فقط بما يدور في العالم، أوجدت قنوات تواصل بين الزحليّين في الداخل وإخوانهم في المهجر. سجّلت أسماء المغتربين الذين نجحوا، ووثّقت كيف كانت أموالهم تصل إلى زحلة، وكيف أسهمت في بنائها المادي والثقافي، من ترميم الكنائس إلى تسقيف البيوت بالقرميد.
هذه الوظيفة الجسريّة جعلت من الجريدة مؤسّسة هويّة بامتياز. في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل متاحة، كانت "زحلة الفتاة" هي الخيط الذي يربط أبناء المدينة الواحدة أينما حلّوا. وهذا ما يفسّر استمرارها لنحو 110 أعوام، وتجاوزها لحروب وأزمات كادت تطمس مدنًا بأكملها.
خلاصة
في عصر تتصارع فيه الصحافة الورقيّة مع الرقمية، وتتسارع فيه وتيرة الأخبار لدرجة فقدان العمق، تعود إلينا قصّة "زحلة الفتاة" كدرس في الصحافة كرسالة لا مجرّد سلعة. أثبتت هذه التجربة أن الصحافة المحلّيّة، حين تكون جادّة وعميقة وموصولة بهموم مجتمعها، يمكنها أن تصمد لعقود، وأن تتحوّل إلى ذاكرة حيّة لأمّة.
اليوم، وبفضل جهود بلديّة زحلة في حفظ هذا الأرشيف وترميمه ورقمنته، أصبحت المادة متاحة للباحثين. لم تكن الأبعاد الفلسفية لافتتاحيّات شكري البخّاش، ولا الدور الريادي للجريدة في ربط زحلة بالمهجر، ولا تفاصيل الحياة الاقتصادية اليوميّة لمدينة البقاع، لتنكشف لولا أن هذا الأرشيف بقي حيًّا في موطنه الأصليّ.
تبقى "زحلة الفتاة" شاهدًا على أن النهضة العربية لم تكن حكرًا على العواصم الكبرى، وأن الصحافة، حين تؤدّي دورها النبيل، يمكنها أن تصنع تاريخًا يحفظ للأجيال قصص مدن بأكملها، بأفراحها وأحزانها، بهجراتها وعودتها.