علي الحناوي - مصر
أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفقد شيئا يملكه، وإنما أن يفقد نفسه وهو يظن أنه ما زال يملكها؛ أن يمضي في الحياة كما يريد الآخرون، يختار ما يرضيهم، ويقول ما ينتظرونه، ويطارد نجاحا لم يسأل يوما إن كان يريده حقا، ثم يستيقظ بعد سنوات ليكتشف أنه عاش حياة تشبه كل شيء إلا نفسه.
نحن نعيش زمنا يعرف فيه الإنسان عن العالم أكثر مما يعرف عن نفسه. يستطيع أن يتابع ما يحدث في أقصى الأرض لحظة بلحظة، لكنه قد يعجز عن الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا أريد من حياتي؟ نملك وسائل لا حصر لها للتواصل، ومع ذلك يزداد بيننا الشعور بالوحدة والغربة، ونتحدث كثيرا عن النجاح، بينما يقل سؤالنا عن معنى هذا النجاح، وإلى أين يأخذنا.
لقد أصبحنا بارعين في صناعة الصورة، حتى كدنا ننسى صناعة الإنسان الذي يقف خلفها. نختار ما نعرضه للآخرين، ونتجمل ونتأنق من أجل صورتنا أمامهم، ونخفي ما لا نريدهم أن يروه، ثم نعتاد القناع حتى ننسى أحيانا وجهنا الحقيقي. وربما لهذا يبدو بعض الناس ناجحين من الخارج، بينما يعيشون في الداخل حياة لا تشبه ما يظهرونه لأحد. إن أخطر أنواع الضياع أن تفقد البوصلة دون أن تشعر أنك تائه.
فالإنسان لا يبنى بكثرة ما يعرف فقط، ولا بما يملك، ولا بما يحققه أمام الناس، وإنما بما يستقر في داخله من معنى، وما يتكون في قلبه من قيم، وما يملكه من قدرة على أن يقول لنفسه: هذا أنا، وهذه قناعاتي، وهذا ما أؤمن به، وهذا الطريق الذي أختاره، ولو لم يصفق لي أحد.
قال تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا».
ولعلنا في حاجة اليوم إلى أن نعيد اكتشاف هذه الحقيقة البسيطة: أن بناء الإنسان يسبق بناء كل شيء. فالمجتمع القوي لا يبدأ من مؤسساته فقط، مع أهمية دورها، والأسرة الصالحة لا تبدأ من نظام متوارث يحكمها، والمؤسسات التعليمية الناجحة لا تبدأ من جدرانها، بل من القيم والمعاني والغراس الذي تزرعه في نفوس الناشئة. كل ذلك يبدأ من إنسان له منهج وثوابت، يعرف قيمة نفسه، ويحسن بناء عقله، ويهذب قلبه، ويحول ما يؤمن به إلى سلوك.
ومن هنا تبدأ الحكاية... حكاية الإنسان الذي نريد أن نبنيه، قبل أن ننشغل كثيرا ببناء العالم من حوله.
فهل ما زلنا نعرف أنفسنا حقا، أم أننا أصبحنا غرباء نعيش داخل حياتنا؟