حياة زرافة - الجزائر
جريدة الأثر
تحت إشراف ورئاسة: د. منى جمال
حوار أدبي:
"الكتابة ليست مهربًا، بل فعل أرقى يعبر عن الإنسانية ذاتها"
الإفتتاحية:
إن الأدب في جوهره ليس مجرد هروب من الواقع، بل هو الرقص على حافة الحقيقة بلغة تستنطق الإنسان في أعماقه. وفي هذا العدد الخاص من جريدة «الأثر» — وتحت إشراف ورعاية كريمة من الدكتورة منى جمال — نُشرع أبواب الحوار لنبحث عن نبض الكلمة وفلسفة الأثر.
تستضيف المجلة في هذه المناصفة الأدبية قلمًا شابًا واعدًا استطاع أن يحجز لنفسه مكانة لافتة في الساحة الروائية الجزائرية والعربية؛ الكاتبة والباحثة مروة خُلخال. حوار يغوص في خبايا الكتابة، ويستكشف الحدود الفاصلة بين ذات الكاتب ونصه، ويسأل عن جدوى الأدب في زمن التسارع والشهرة العابرة.
السيرة الذاتية:
البطاقة الشخصية: كاتبة وروائية جزائرية من مواليد تلمسان (2006)، باحثة في مرحلة ماستر بكلية الآداب واللغات بجامعة أبي بكر بلقايد.
النشاط الأدبي والأكاديمي: مؤسسة ورئيسة «نادي أغادير الأدبي»، ومدربة في مجال الكتابة الإبداعية وصناعة الرواية.
الأعمال والجوائز:
رواية «من أنا؟» (فائزة بمسابقة دار الكاتب 2023، وصدرت عام 2024، وأقيمت حولها ندوة نقدية أكاديمية بجامعة تلمسان عام 2026).
رواية «رسائل من الموتى» (الحاصلة على المركز الأول في مسابقة دار زين 2024 - فرع الرعب).
رواية «مملكة الليل» (فائزة بمسابقة الرواية العربية بدار ميزوتوباميا - سوريا 2025).
رواية «أركان» (فائزة في مسابقة المبدعون العرب 2026).
مشاركات إلكترونية وورقية متعددة، منها كتاب «نجوم في عتمة الليل»، ومجموعة قصصية قيد النشر بعنوان «محطة القطار A-5».
نص الحوار:
س: لو نزعنا عنك صفة «الكاتبة»، من تكونين؟ وهل بقي شيء من شخصيتك لا تستطيع الكتابة الوصول إليه؟
ج: الكاتبة هو جزء لا يتجزأ مني، إذ أن الرواية هي الوسيلة المثلى التي أعبر بها عن ذاتي، إلا أنها ليست الكل، بل هي جزء يحوز مساحة هامة بقلبي. فلو نحن أزلنا الكاتبة لن نقدر — بغض النظر — عن إزالة الإنسانة خلف كل كلمة والأُنثى في كل تاء مربوطة، وكذلك سأكون الطالبة التي تسعى لنور العلم أدبًا وعلمًا، وأكون الابنة والمعلمة والطموحة، كلها ترتبط بصفة الكاتبة.
س: هل جاءت الكتابة إليك بوصفها اختيارًا، أم أنها كانت طريقة ما لمقاومة شيء لم تستطيعي مواجهته في الحياة؟
ج: هي هواية أحببتها واخترتها للتعبير عن ذاتي ونفسي، وليس اجتيازًا أو هروبًا من واقعي إنما تجمليًا له.
س: وما هو رأيك في فئة الكتاب الذين يعتبرون الكتابة وسيلة للهروب من الواقع؟
ج: أراهم أناسًا وجدوا السكينة بالكتابة وأتفهم موقفهم، إلا أني لا أوافق جعل الكتابة المتنفس الوحيد أو المهربه حتى لا تكون حجة للمواجهة، فهي أسمى من ذلك، نحن نكتب لنعبر وليس لنهرب.
س: إذن الكتابة بالنسبة لك ترتقي لمستوى آخر تمامًا؟
ج: نعم، هي ليست محض مهرب أو هواية، هي فعل أرقى يعبر عن الإنسانية ذاتها.
س: ممتاز، أفكار مبدعة.. هل تكتبين ما تعرفينه، أم أنك تكتبين تحديدًا لتكتشفي ما تجهلينه عن نفسك؟
ج: أكتب ما أعرفه وما لا أعرفه وما أريد معرفته عني وعن العالم من حولي، لطالما رأيت الكتابة تعبيرًا عن الحرية لذا أرفض تقييدها بذاتي أو بذوات غيري.
س: في هذا السياق، ما هي رؤيتك عن حدود الكتابة؟ هل حقًا أننا حين نكتب يجب أن نراعي المجتمع أم نتجاهل ذلك تمامًا؟
ج: يجب أن نراعي المبادئ، وأن نفهم حدود الحرية قبل الكتابة، فاستخدام حرية القلم كحجة لتدنيس مبدأ — سواء كان اجتماعيًا أو دينيًا أو أخلاقيًا أو غيره — هي إهانة للكتابة! الكاتب الحق هو من يكتب دون كسر الحدود، إنما داخل هذه الحدود يبدع.
س: هناك أشياء نعجز عن قولها في الحياة وننجح في قولها على الورق؛ ما الشيء الذي استطاعت الكتابة أن تقوله عنك ولم تستطيعي أنت قوله؟
ج: الكثير من الآراء التي لو حاولت التعبير عنها بنعمة اللسان قد ألقى سوء فهم، ولكن من خلال الكتابة وخصوصًا الرواية أنت تعطي مثالًا حيًا واقعيًا لوجهة نظرك.
س: هل يمكنك أن تعطينا مثالًا عن هذه الآراء؟
ج: على سبيل المثال، لدي رأي أن الإنسان إذا ما تاب إلى الله سبحانه وتعالى، فإن تلك مسألة بينه وبين خالقه، فالله يرى ما أنت عليه وما كنته، في حين بعض الفئات من المجتمع يروْن ماذا كنته ومنه يقررون من تكون، وتلك معضلة لو حاولنا نقاشها قد نقع في المغالطات والتحريفات، فحاولت إيصال هذه الفكرة متجنبة التعصب والعناد من خلال قصّة واقعية بروايتي «أركان»، إذ أنها تحكي عن التوبة في جزء من حبكتها لتصل الفكرة سلسة قابلة للنقاش بالذهن.
المحاورة: صحيح، الكل يرتدي ثوب الواعظ والنقي من كل دنس أمام المذنب، رغم أن الإنسان ليس معصومًا أبدًا.
الكاتبة: الفكرة أن بعض الشؤون تتطلب منا تركها للخالق والمخلوق لأنك قد تؤذي دون قصد..
المحاورة: أن تمنحي لهذه الفكرة مكانها المناسب في قالب إبداعي، هو أمر غاية في الروعة.
الكاتبة: الحمد لله الذي وفقني لهذا.
س: ننتقل لـسؤال آخر.. متى تشعرين أن النص بدأ يكتبك بدلاً من أن تكتبيه؟
ج: لما تصير الشخصيات تضج برأسي كي تتحرر من ذهني إلى الورق.
س: وهل شعرت من قبل أنك فقدت السيطرة على إحدى شخصياتك الروائية؟
ج: نعم كثيرًا بالواقع.
س: على سبيل المثال؟
ج: فيصل بطل سلسلة «خارج المألوف» هو الشخصية التي من كثرة ما راودت ذهني صارت تمثل جزءًا مني، كذلك أركان بطل رواية باسمه، ديمر من «رثاء ابتسامة».
س: ما الذي تخشينه أكثر حين تضعين نصًا جديدًا أمام القارئ: ألا يفهمك، أم أن يفهمك أكثر مما ينبغي؟
ج: لا أخشى لا هذا ولا ذاك، الاستعداد النفساني للنشر الورقي أو الإلكتروني وعرض كتابتك يتطلب حصانة ضد الخوف وتقبلاً للرأي الآخر.
س: في نظرك هل تعتقدين أن الكاتب مطالب بأن يكون شاهدًا على عصره، أم أن من حقه تجاهله تمامًا؟
ج: التاريخ مليء بناس سبقوا تاريخهم، فمن الأفضل ألا نقيد الكاتب بعصره.
س: في زمن أصبحت فيه الشهرة أسرع من الكتابة، كيف تحمين النص من أن يتحول إلى مجرد وسيلة للوصول إلى الجمهور؟
ج: للأسف لا يمكننا حماية النص من أن يأخذ مسارًا جمهوريًا أكثر منه أدبيًا، لكن على كل كاتب أن يقي نصه بأن يكتب نصًا لأجل قيمته الأدبية وليس لنيل الشهرة.
س: وبصفتك كاتبة تمتلكين مكانتك الراقية في الساحة الأدبية، هل تكتبين ما يريده الآخر أم ما يحتاجه؟
ج: أكتب ما أريده صراحة، أريد أن أوصل رسالة أرى مجتمعي يحتاجها فأكتبها. لو بدأت الكتابة لأن الآخر يريد فسأصير كاتبة لما يريده الجمهور دون هوية، ولو كتبت لأن الآخر يحتاجه، فسأكتب انطلاقًا من ذاتي وصولاً للآخر وليس لأن الوقت يتطلب الكتابة بموضوع معين، وإلا صرت كاتبة «تريند».
س: ممتاز، هذه النقطة التي أردت معرفتها حول كاتب التريند.
ج: أرفض تسميتهم كتابًا، أراهم «إنفلونسرز».
س: هل تعتقدين أن الأدب يستطيع تغيير الواقع فعلاً، أم أن أقصى ما يستطيع فعله هو أن يجعلنا نرى الواقع بعين مختلفة؟
ج: أكيد وبقوة، والدليل أن حضارات الإنسانية كلها تعتز بكتبها، وقد أرسل الله لوحه المحفوظ في مصحف شريف وهذا خير دليل.
س: للكلمة قدرتها على التغيير أوليس؟
ج: أكيد.
س: ما الفكرة التي كنت تؤمنين بها بشدة في بداياتك، ثم اكتشفت مع الوقت أنك كنت مخطئة بشأنها؟
ج: أن النشر هو ما يحدد قيمة العمل، وأن العمل لو كان حسنًا لاقى مبيعات عالية، ومع القراءات اكتشفت أن عالم النشر تجاري أكثر منه أدبيًا.. يحلو لي ذكر كتاب «ظل الريح» لكارلوس زافون الذي حكى قصة كتاب عظيم غيّر عقلية إنسان كامل رغم أنه نتاج قلم كاتب مغمور وقد نُشر على مضض، وقد كانت تلك القصة من أصدق القصص التي قرأتها بحياتي.
المحاورة: ومن هذا المنبر نؤكد على ضرورة عدم اعتبار الكتابة تجارة أو صفقة، هذا مهين للأدب.
الكاتبة: جدًا مهين.
س: لو مُنحت فرصة محو عمل واحد من أعمالك وإعادة كتابته، هل ستفعلين؟ ولماذا؟
ج: رواية «من أنا؟» كي أكتبها بشكل أفضل، لقد رأيت عيوبها كونها أول عمل لي، وأتمنى لو أعود لأحداثها لأعيش تجربة كتابتها مجددًا بما هو أفضل.
المحاورة: رغم أنني لا أوافقك الرأي في ذلك، رواية «من أنا؟» كانت من أجمل ما قرأت خاصة وأنها تجربتك الأولى فقد تفوقت على نفسك.. لكن تبقى هذه نظرتك ككاتبة للرواية وأنا أفهمها جيدًا.
الكاتبة: بالضبط، لأنها الأولى تكون مليئة بزلات أتمنى تعديلها، وهذا لا ينقص أبداً من قيمتها.
المحاورة: أكيد، التعديل ليس سوى إضافة جمالية.
الكاتبة: بالضبط.
س: كيف تنظرين إلى الأدب الذي يُكتب اليوم تحت ضغط وسائل التواصل، حيث أصبح القارئ يريد جملة لافتة أكثر من نص كامل؟
ج: أراه أقل من كلمة أدب، الأدب نتاج فکر وحضارة وما يُروج له حاليًا هو نتاج عقليات فارغة مع الأسف.
س: هل تعتقدين أن اللغة العربية اليوم تتسع لتجاربنا الجديدة، أم أن بعض تجارب الإنسان المعاصر ما زالت تبحث عن لغة لم تولد بعد؟
ج: اللغة العربية تتسع وستتسع مستقبلاً لكامل العصور، يكفي دليلاً أنها لغة القرآن الكريم، وقد قال في هذا الشاعر حافظ إبراهيم قولاً عظيمًا:
رَجَعْتُ لِنَفْسِي فَاتَّهَمْتُ حَصَاتِي ... وَنَادَيْتُ قَوْمِي فَاحْتَسَبْتُ حَيَاتِي
رَمَوْنِي بِعُقْمٍ فِي الشَّبَابِ وَلَيْتَنِي ... عَقِمْتُ فَلَمْ أَجْزَعْ لِقَوْلِ عِدَاتِي
أَنَا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ ... فَهَلْ سَأَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي
س: يكفينا فخرًا أنها لغتنا.
س: ما السؤال الذي يزعجك ككاتبة لأنك لم تجدي له إجابة حتى الآن؟
ج: لماذا نتوقف أحيانًا عن الكتابة ليس لنقص بالأفكار ولا لظروف إنما لأننا تعبنا؟ من أكثر الأسئلة التي تثير فكري.
المحاورة: وتبقى الإجابة عن هذا السؤال نسبية تختلف، وكما قلت لا وجود لإجابة شافية حقًا.
الكاتبة: نعم فعلاً.
س: لو التقيت بنفسك يوم بدأت الكتابة، بعيدًا عن النصائح والمواعظ، ماذا ستقتولين لتلك الكاتبة؟
ج: أقول لها: استمري، أعلم أنك ستلاقين مصاعب كثيرة، ستبحثين عن نصح ولا تلقينه، وستحلمين لتتنهدي بحزن في النهاية، ولكن مع ذلك استمري، لأنك يومًا ما ستكونين فخورة بنفسك لأنك تابعت السير بطريقك، ويومها ستنظرين لحياتك وستبتسمين لأنك لم تندمي.
س: هل تسألينها كيف حالك؟
ج: لا، هي مني وأنا منها نعلم حال بعضنا دون سؤال.
س: جميل تعبيرك... وأخيرًا، عندما تنتهي كل الكتب وتبقى منك جملة واحدة فقط في ذاكرة قارئ لم تلتق به قط، ماذا تتمنين أن تكون تلك الجملة؟
ج: «الكتابة هي واقع أجمل بلمسة من الخيال، لذلك نقرأ لنرى الكون بعيون أجمل.»
المحاورة: من أجمل الخواتيم أيتها الراقية..
الكاتبة:شكراً غاليتي.
س: كيف وجدت حوارنا؟
ج: أسئلة تشغل الفكر وتنمي الإبداع، تجعلك تغوصين بأعماق نفسك وتذكرك بعظمة الكتابة.
المحاورة: هو المطلوب كاتبتنا المبدعة، أن نبحث في عمق الكاتب ونبحر معه نحو مرافئ الحقيقة، ربما أقول ربما نعثر على شيء منه.
س: وهل عثرتم؟
ج: عثرت على أجمل لؤلؤة ترقد فوق شاطئ الحياة.
الكاتبة: أشكرك على كل سؤال وكل كلمة بذلتها لأجل هذه المقابلة، هذه المجلة محظوظة بك حقًا وشكري لكل العاملين على هذه الجهة الثقافية الراقية.
المحاورة: ولك كل التقدير على فتح المجال لهذا الحوار المثمر، وأرجو من الله أن يرتقي قلمك أكثر ويلمع كنجم سرمدي في سماء الأدب.
الكاتبة: آمين يا رب، وفقكم الله.جريدة الأثر — عدد خاص
تحت إشراف ورئاسة: د. منى جمال
حوار أدبي:
"الكتابة ليست مهربًا، بل فعل أرقى يعبر عن الإنسانية ذاتها"
الإفتتاحية:
إن الأدب في جوهره ليس مجرد هروب من الواقع، بل هو الرقص على حافة الحقيقة بلغة تستنطق الإنسان في أعماقه. وفي هذا العدد الخاص من جريدة «الأثر» — وتحت إشراف ورعاية كريمة من الدكتورة منى جمال — نُشرع أبواب الحوار لنبحث عن نبض الكلمة وفلسفة الأثر.
تستضيف المجلة في هذه المناصفة الأدبية قلمًا شابًا واعدًا استطاع أن يحجز لنفسه مكانة لافتة في الساحة الروائية الجزائرية والعربية؛ الكاتبة والباحثة مروة خُلخال. حوار يغوص في خبايا الكتابة، ويستكشف الحدود الفاصلة بين ذات الكاتب ونصه، ويسأل عن جدوى الأدب في زمن التسارع والشهرة العابرة.
السيرة الذاتية:
البطاقة الشخصية: كاتبة وروائية جزائرية من مواليد تلمسان (2006)، باحثة في مرحلة ماستر بكلية الآداب واللغات بجامعة أبي بكر بلقايد.
النشاط الأدبي والأكاديمي: مؤسسة ورئيسة «نادي أغادير الأدبي»، ومدربة في مجال الكتابة الإبداعية وصناعة الرواية.
الأعمال والجوائز:
رواية «من أنا؟» (فائزة بمسابقة دار الكاتب 2023، وصدرت عام 2024، وأقيمت حولها ندوة نقدية أكاديمية بجامعة تلمسان عام 2026).
رواية «رسائل من الموتى» (الحاصلة على المركز الأول في مسابقة دار زين 2024 - فرع الرعب).
رواية «مملكة الليل» (فائزة بمسابقة الرواية العربية بدار ميزوتوباميا - سوريا 2025).
رواية «أركان» (فائزة في مسابقة المبدعون العرب 2026).
مشاركات إلكترونية وورقية متعددة، منها كتاب «نجوم في عتمة الليل»، ومجموعة قصصية قيد النشر بعنوان «محطة القطار A-5».
نص الحوار:
س: لو نزعنا عنك صفة «الكاتبة»، من تكونين؟ وهل بقي شيء من شخصيتك لا تستطيع الكتابة الوصول إليه؟
ج: الكاتبة هو جزء لا يتجزأ مني، إذ أن الرواية هي الوسيلة المثلى التي أعبر بها عن ذاتي، إلا أنها ليست الكل، بل هي جزء يحوز مساحة هامة بقلبي. فلو نحن أزلنا الكاتبة لن نقدر — بغض النظر — عن إزالة الإنسانة خلف كل كلمة والأُنثى في كل تاء مربوطة، وكذلك سأكون الطالبة التي تسعى لنور العلم أدبًا وعلمًا، وأكون الابنة والمعلمة والطموحة، كلها ترتبط بصفة الكاتبة.
س: هل جاءت الكتابة إليك بوصفها اختيارًا، أم أنها كانت طريقة ما لمقاومة شيء لم تستطيعي مواجهته في الحياة؟
ج: هي هواية أحببتها واخترتها للتعبير عن ذاتي ونفسي، وليس اجتيازًا أو هروبًا من واقعي إنما تجمليًا له.
س: وما هو رأيك في فئة الكتاب الذين يعتبرون الكتابة وسيلة للهروب من الواقع؟
ج: أراهم أناسًا وجدوا السكينة بالكتابة وأتفهم موقفهم، إلا أني لا أوافق جعل الكتابة المتنفس الوحيد أو المهربه حتى لا تكون حجة للمواجهة، فهي أسمى من ذلك، نحن نكتب لنعبر وليس لنهرب.
س: إذن الكتابة بالنسبة لك ترتقي لمستوى آخر تمامًا؟
ج: نعم، هي ليست محض مهرب أو هواية، هي فعل أرقى يعبر عن الإنسانية ذاتها.
س: ممتاز، أفكار مبدعة.. هل تكتبين ما تعرفينه، أم أنك تكتبين تحديدًا لتكتشفي ما تجهلينه عن نفسك؟
ج: أكتب ما أعرفه وما لا أعرفه وما أريد معرفته عني وعن العالم من حولي، لطالما رأيت الكتابة تعبيرًا عن الحرية لذا أرفض تقييدها بذاتي أو بذوات غيري.
س: في هذا السياق، ما هي رؤيتك عن حدود الكتابة؟ هل حقًا أننا حين نكتب يجب أن نراعي المجتمع أم نتجاهل ذلك تمامًا؟
ج: يجب أن نراعي المبادئ، وأن نفهم حدود الحرية قبل الكتابة، فاستخدام حرية القلم كحجة لتدنيس مبدأ — سواء كان اجتماعيًا أو دينيًا أو أخلاقيًا أو غيره — هي إهانة للكتابة! الكاتب الحق هو من يكتب دون كسر الحدود، إنما داخل هذه الحدود يبدع.
س: هناك أشياء نعجز عن قولها في الحياة وننجح في قولها على الورق؛ ما الشيء الذي استطاعت الكتابة أن تقوله عنك ولم تستطيعي أنت قوله؟
ج: الكثير من الآراء التي لو حاولت التعبير عنها بنعمة اللسان قد ألقى سوء فهم، ولكن من خلال الكتابة وخصوصًا الرواية أنت تعطي مثالًا حيًا واقعيًا لوجهة نظرك.
س: هل يمكنك أن تعطينا مثالًا عن هذه الآراء؟
ج: على سبيل المثال، لدي رأي أن الإنسان إذا ما تاب إلى الله سبحانه وتعالى، فإن تلك مسألة بينه وبين خالقه، فالله يرى ما أنت عليه وما كنته، في حين بعض الفئات من المجتمع يروْن ماذا كنته ومنه يقررون من تكون، وتلك معضلة لو حاولنا نقاشها قد نقع في المغالطات والتحريفات، فحاولت إيصال هذه الفكرة متجنبة التعصب والعناد من خلال قصّة واقعية بروايتي «أركان»، إذ أنها تحكي عن التوبة في جزء من حبكتها لتصل الفكرة سلسة قابلة للنقاش بالذهن.
المحاورة: صحيح، الكل يرتدي ثوب الواعظ والنقي من كل دنس أمام المذنب، رغم أن الإنسان ليس معصومًا أبدًا.
الكاتبة: الفكرة أن بعض الشؤون تتطلب منا تركها للخالق والمخلوق لأنك قد تؤذي دون قصد..
المحاورة: أن تمنحي لهذه الفكرة مكانها المناسب في قالب إبداعي، هو أمر غاية في الروعة.
الكاتبة: الحمد لله الذي وفقني لهذا.
س: ننتقل لـسؤال آخر.. متى تشعرين أن النص بدأ يكتبك بدلاً من أن تكتبيه؟
ج: لما تصير الشخصيات تضج برأسي كي تتحرر من ذهني إلى الورق.
س: وهل شعرت من قبل أنك فقدت السيطرة على إحدى شخصياتك الروائية؟
ج: نعم كثيرًا بالواقع.
س: على سبيل المثال؟
ج: فيصل بطل سلسلة «خارج المألوف» هو الشخصية التي من كثرة ما راودت ذهني صارت تمثل جزءًا مني، كذلك أركان بطل رواية باسمه، ديمر من «رثاء ابتسامة».
س: ما الذي تخشينه أكثر حين تضعين نصًا جديدًا أمام القارئ: ألا يفهمك، أم أن يفهمك أكثر مما ينبغي؟
ج: لا أخشى لا هذا ولا ذاك، الاستعداد النفساني للنشر الورقي أو الإلكتروني وعرض كتابتك يتطلب حصانة ضد الخوف وتقبلاً للرأي الآخر.
س: في نظرك هل تعتقدين أن الكاتب مطالب بأن يكون شاهدًا على عصره، أم أن من حقه تجاهله تمامًا؟
ج: التاريخ مليء بناس سبقوا تاريخهم، فمن الأفضل ألا نقيد الكاتب بعصره.
س: في زمن أصبحت فيه الشهرة أسرع من الكتابة، كيف تحمين النص من أن يتحول إلى مجرد وسيلة للوصول إلى الجمهور؟
ج: للأسف لا يمكننا حماية النص من أن يأخذ مسارًا جمهوريًا أكثر منه أدبيًا، لكن على كل كاتب أن يقي نصه بأن يكتب نصًا لأجل قيمته الأدبية وليس لنيل الشهرة.
س: وبصفتك كاتبة تمتلكين مكانتك الراقية في الساحة الأدبية، هل تكتبين ما يريده الآخر أم ما يحتاجه؟
ج: أكتب ما أريده صراحة، أريد أن أوصل رسالة أرى مجتمعي يحتاجها فأكتبها. لو بدأت الكتابة لأن الآخر يريد فسأصير كاتبة لما يريده الجمهور دون هوية، ولو كتبت لأن الآخر يحتاجه، فسأكتب انطلاقًا من ذاتي وصولاً للآخر وليس لأن الوقت يتطلب الكتابة بموضوع معين، وإلا صرت كاتبة «تريند».
س: ممتاز، هذه النقطة التي أردت معرفتها حول كاتب التريند.
ج: أرفض تسميتهم كتابًا، أراهم «إنفلونسرز».
س: هل تعتقدين أن الأدب يستطيع تغيير الواقع فعلاً، أم أن أقصى ما يستطيع فعله هو أن يجعلنا نرى الواقع بعين مختلفة؟
ج: أكيد وبقوة، والدليل أن حضارات الإنسانية كلها تعتز بكتبها، وقد أرسل الله لوحه المحفوظ في مصحف شريف وهذا خير دليل.
س: للكلمة قدرتها على التغيير أوليس؟
ج: أكيد.
س: ما الفكرة التي كنت تؤمنين بها بشدة في بداياتك، ثم اكتشفت مع الوقت أنك كنت مخطئة بشأنها؟
ج: أن النشر هو ما يحدد قيمة العمل، وأن العمل لو كان حسنًا لاقى مبيعات عالية، ومع القراءات اكتشفت أن عالم النشر تجاري أكثر منه أدبيًا.. يحلو لي ذكر كتاب «ظل الريح» لكارلوس زافون الذي حكى قصة كتاب عظيم غيّر عقلية إنسان كامل رغم أنه نتاج قلم كاتب مغمور وقد نُشر على مضض، وقد كانت تلك القصة من أصدق القصص التي قرأتها بحياتي.
المحاورة: ومن هذا المنبر نؤكد على ضرورة عدم اعتبار الكتابة تجارة أو صفقة، هذا مهين للأدب.
الكاتبة: جدًا مهين.
س: لو مُنحت فرصة محو عمل واحد من أعمالك وإعادة كتابته، هل ستفعلين؟ ولماذا؟
ج: رواية «من أنا؟» كي أكتبها بشكل أفضل، لقد رأيت عيوبها كونها أول عمل لي، وأتمنى لو أعود لأحداثها لأعيش تجربة كتابتها مجددًا بما هو أفضل.
المحاورة: رغم أنني لا أوافقك الرأي في ذلك، رواية «من أنا؟» كانت من أجمل ما قرأت خاصة وأنها تجربتك الأولى فقد تفوقت على نفسك.. لكن تبقى هذه نظرتك ككاتبة للرواية وأنا أفهمها جيدًا.
الكاتبة: بالضبط، لأنها الأولى تكون مليئة بزلات أتمنى تعديلها، وهذا لا ينقص أبداً من قيمتها.
المحاورة: أكيد، التعديل ليس سوى إضافة جمالية.
الكاتبة: بالضبط.
س: كيف تنظرين إلى الأدب الذي يُكتب اليوم تحت ضغط وسائل التواصل، حيث أصبح القارئ يريد جملة لافتة أكثر من نص كامل؟
ج: أراه أقل من كلمة أدب، الأدب نتاج فکر وحضارة وما يُروج له حاليًا هو نتاج عقليات فارغة مع الأسف.
س: هل تعتقدين أن اللغة العربية اليوم تتسع لتجاربنا الجديدة، أم أن بعض تجارب الإنسان المعاصر ما زالت تبحث عن لغة لم تولد بعد؟
ج: اللغة العربية تتسع وستتسع مستقبلاً لكامل العصور، يكفي دليلاً أنها لغة القرآن الكريم، وقد قال في هذا الشاعر حافظ إبراهيم قولاً عظيمًا:
رَجَعْتُ لِنَفْسِي فَاتَّهَمْتُ حَصَاتِي ... وَنَادَيْتُ قَوْمِي فَاحْتَسَبْتُ حَيَاتِي
رَمَوْنِي بِعُقْمٍ فِي الشَّبَابِ وَلَيْتَنِي ... عَقِمْتُ فَلَمْ أَجْزَعْ لِقَوْلِ عِدَاتِي
أَنَا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ ... فَهَلْ سَأَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي
س: يكفينا فخرًا أنها لغتنا.
س: ما السؤال الذي يزعجك ككاتبة لأنك لم تجدي له إجابة حتى الآن؟
ج: لماذا نتوقف أحيانًا عن الكتابة ليس لنقص بالأفكار ولا لظروف إنما لأننا تعبنا؟ من أكثر الأسئلة التي تثير فكري.
المحاورة: وتبقى الإجابة عن هذا السؤال نسبية تختلف، وكما قلت لا وجود لإجابة شافية حقًا.
الكاتبة: نعم فعلاً.
س: لو التقيت بنفسك يوم بدأت الكتابة، بعيدًا عن النصائح والمواعظ، ماذا ستقتولين لتلك الكاتبة؟
ج: أقول لها: استمري، أعلم أنك ستلاقين مصاعب كثيرة، ستبحثين عن نصح ولا تلقينه، وستحلمين لتتنهدي بحزن في النهاية، ولكن مع ذلك استمري، لأنك يومًا ما ستكونين فخورة بنفسك لأنك تابعت السير بطريقك، ويومها ستنظرين لحياتك وستبتسمين لأنك لم تندمي.
س: هل تسألينها كيف حالك؟
ج: لا، هي مني وأنا منها نعلم حال بعضنا دون سؤال.
س: جميل تعبيرك... وأخيرًا، عندما تنتهي كل الكتب وتبقى منك جملة واحدة فقط في ذاكرة قارئ لم تلتق به قط، ماذا تتمنين أن تكون تلك الجملة؟
ج: «الكتابة هي واقع أجمل بلمسة من الخيال، لذلك نقرأ لنرى الكون بعيون أجمل.»
المحاورة: من أجمل الخواتيم أيتها الراقية..
الكاتبة:شكراً غاليتي.
س: كيف وجدت حوارنا؟
ج: أسئلة تشغل الفكر وتنمي الإبداع، تجعلك تغوصين بأعماق نفسك وتذكرك بعظمة الكتابة.
المحاورة: هو المطلوب كاتبتنا المبدعة، أن نبحث في عمق الكاتب ونبحر معه نحو مرافئ الحقيقة، ربما أقول ربما نعثر على شيء منه.
س: وهل عثرتم؟
ج: عثرت على أجمل لؤلؤة ترقد فوق شاطئ الحياة.
الكاتبة: أشكرك على كل سؤال وكل كلمة بذلتها لأجل هذه المقابلة، هذه المجلة محظوظة بك حقًا وشكري لكل العاملين على هذه الجهة الثقافية الراقية.
المحاورة: ولك كل التقدير على فتح المجال لهذا الحوار المثمر، وأرجو من الله أن يرتقي قلمك أكثر ويلمع كنجم سرمدي في سماء الأدب.
الكاتبة: آمين يا رب، وفقكم الله.