تخطي للذهاب إلى المحتوى

سوء تفاهم مع النجاه

9 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد



بقلم تركي الزهراني


منذ مدة أصبحت الأشياء تؤدي وظائفها بطريقة مريبة

النافذة تمنعني من الخارج
والباب كلما أغلقته تركني مفتوحا
والساعة لا تقيس الوقت بقدر ما تثبت لي أن شيئا ما يتأخر

حتى ظلي لم يعد جديرا بالثقة

رأيته ذات مساء يسبقني بخطوتين ثم انعطف عند زاوية لم أكن أنوي الذهاب إليها

وقفت

أما هو فأكمل الطريق

كانت تلك أول مرة أرى فيها جزءا مني يعرف وجهته أكثر مني

لم أتبعه

عدت إلى البيت وأغلقت الباب مرتين كما يفعل رجل يخشى أن يدخل إليه شيء من الخارج مع أنني كنت أعرف أن كل ما أخشاه كان في الداخل

وفي الصباح وجدته ينتظرني تحت قدمي كأن شيئا لم يحدث

لم أسأله أين ذهب

بعض الإجابات إذا وصلت مبكرا أفسدت على الإنسان عمره كله


بدأت بعدها أراقب نفسي

فتشت في ذاكرتي فوجدت أبوابا أغلقتها في وقتها ومقاعد غادرتها قبل أن يبرد الحديث وجملا ابتلعتها لأن قولها كان سيغير ترتيب الغرفة

وجدتني في كل مرة اخترت فيها الطريق الأقل كلفة

كنت حكيما جدا

وهذه إحدى الكوارث التي لا ينجو منها الإنسان بسهولة

فالحكمة حين يختلط بها الخوف تصنع قرارات ممتازة وحياة لا تشبه صاحبها

كنت أعرف متى أتوقف ومتى أصمت ومتى أنسحب خطوة كي لا أخسر خطوتين حتى أصبحت بارعا في النجاة من الأشياء التي كان ينبغي أن أهلك فيها قليلا

نجوت كثيرا

إلى درجة أنني بدأت أشك في النجاة نفسها

فما جدوى أن تصل سليما إذا كان كل ما يستحق الوصول إليه قد حدث أثناء الطريق


ذات ليلة وضعت حياتي أمامي

كانت أصغر مما توقعت

بضعة انتصارات فقدت أسماء أصحابها وهزائم أضع عليها الآن تواريخ بدلا من الجروح وأشخاص عبروا وأمكنة انطفأت وأشياء كثيرة حصلت عليها ثم اكتشفت أنها لم تكن تعرفني

وبقي شيء واحد لم أستطع تسميته

كلما وضعت له اسما تغير شكله

سميته رغبة فضاق بالاسم

سميته حاجة فشعرت أنني أهينه

قلت ربما هو نقص

فاكتشفت أن النقص هو أنا حين لا يكون موجودا

تركته بلا اسم

والأشياء التي لا نسميها تملك حرية أكبر في العبث بنا

صار يظهر في التفاصيل

في جملة أكتبها ثم أشطب نصفها لأن النصف الآخر يعرف أكثر مما ينبغي

وفي طريق أطيله مع أن الطريق الأقصر أمامي

وفي تلك الثانية التي تسبق النوم حين تسقط عن الإنسان جميع الأدوار التي يؤديها نهارا ولا يبقى منه سوى ذلك الكائن الأول الذي يعرف تماما ما يريد ثم يستيقظ في الصباح وينكره

وكنت كل صباح أرتب إنكاري بعناية

أرتدي وجهي المناسب

وأخرج

أصافح العالم بيد ثابتة بينما اليد الأخرى في مكان لا يراه أحد كانت تمسك بشيء لا أملك شجاعة الاحتفاظ به ولا قسوة تركه

وهكذا عشت زمنا بين يدين

واحدة تخصني

والأخرى تعرفني



ثم بدأت الأشياء التي احتميت بها طويلا تتساقط

سقط يقين

ثم آخر

ثم انهار ذلك الجدار القديم الذي بنيته بين ما أستطيع احتماله وما لا أستطيع

انتظرت الخراب

لم يأت

وقفت أمام ما سقط مني واكتشفت أن الجدار لم يكن يحميني من السقوط

كان يحميني من الأفق

ضحكت

ربما على الرجل الذي أمضى نصف عمره يقوي سجنه ثم سمى سماكة الجدران نضجا

ومنذ تلك الليلة لم أحاول إصلاح كل شيء

تركت بعض الأبواب مفتوحة

وبعض الأسئلة بلا إجابات

وتركت ظلي يذهب حيث يشاء

كنت أراه أحيانا عند الزاوية نفسها

ينتظر

لا يلتفت إلي

كأنه يعرف أن الأشياء التي تخصنا حقا لا تحتاج إلى أن تنادينا

نحن الذين نحتاج زمنا كي نتوقف عن الهرب منها



وفي مساء ما ذهبت إليه

لم أفكر

لم أستشر الرجل الحكيم الذي يسكن رأسي

ولم أحسب ما سأخسره

مشيت فقط

وكل خطوة كانت تسقط مني شيئا

خوفي أولا

ثم كبريائي

ثم تلك الحاجة القديمة إلى معرفة النهاية قبل قبول البداية

وحين وصلت إلى الزاوية لم أجد ظلي

وجدت الطريق

كان طويلا ومظلما ولا يقدم أي ضمان

وللمرة الأولى لم أطلب من طريق أن يعدني بالنجاة

مشيت

وكلما تقدمت أصبح أخف

لا الطريق

أنا

كأن الوصول لم يكن يحتاج مني أن أحمل المزيد بل أن أصل بأقل نسخة ممكنة من نفسي

سقطت أسمائي واحدا بعد آخر

الرجل العاقل

الرجل الذي يعرف متى ينسحب

الرجل الذي لا يدخل مكانا قبل أن يعرف شروط الخروج منه

سقطوا جميعا

وبقي شخص لا أعرفه

كان يمشي دون درع

ومع ذلك لم يكن خائفا



عند آخر الطريق وجدت بابا

لم يكن عليه اسم ولا رقم ولا مقبض

دفعته

طرقته

وانتظرت

ثم فهمت

لم يكن الباب مغلقا

أنا الذي كنت أقف في الجهة الخطأ منه

استدرت

ولم يكن خلفي طريق

كانت هناك أشيائي كلها مصطفة في العتمة

حذري

حكمتي

كبريائي

يقيني

وكل النسخ التي نجت بي طوال السنوات

كانت تنتظر أن أعود إليها

نظرت إليها طويلا

ثم إلى الباب

وفي تلك اللحظة فقط عرفت لماذا عجزت طوال حياتي عن تسمية ذلك الشيء الذي قادني إلى هنا

لم يكن يريد مني أن أصل إليه

كان يريد أن يعرف

ماذا سيبقى مني إذا لم أحتفظ لنفسي بشيء

تركت أشيائي خلفي

وعبرت

وحين التفت للمرة الأخيرة رأيت ظلي واقفا بينها

لم يعبر معي

عندها فقط فهمت لماذا سبقني إلى هنا منذ البداية

لم يكن يدلني على الطريق

كان يأتي ليتأكد من المكان الذي سيدفنني فيه

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً