تخطي للذهاب إلى المحتوى

الأشياء التي لا تُرى

30 أغسطس 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

فيروز الحسن - لبنان

هناك أشياء لا تُرى، لكنها تغيّر شكلنا من الداخل.
لا أحد يرى اللحظة التي قررتَ فيها أن تصبح أقلّ كلامًا.
ولا أحد يعرف متى بدأتَ تختار مقاعدك القريبة من الباب، كأن جزءًا منك صار يحب فكرة المغادرة قبل الوصول.
لا أحد يرى كم مرة ابتلعتَ جملةً لأنك أدركت أن شرحها سيجعلك أكثر تعبًا من الصمت.
نحن بارعون في إخفاء ما يحدث لنا.
نرتّب وجوهنا قبل أن نخرج إلى العالم، نضع ابتسامة في مكانها، نعدّل نبرة الصوت، ثم نمضي.
يقولون:
«أنت بخير، تبدو بخير.»
فنبتسم.
ليس لأنهم أصابوا، بل لأننا لم نعد نملك الطاقة الكافية لشرح الفرق بين أن تبدو بخير وأن تكون بخير.
ثمة أشياء لا تُرى أيضًا في الإنسان الذي يبدو قويًا.
تردده قبل اتخاذ قرار بسيط.
خوفه من أن يخيّب أحدًا.
حاجته إلى كلمة واحدة تقول له: لا بأس، لا يجب أن تكون قويًا طوال الوقت.
وثمة أشياء لا تُرى في الذين يضحكون كثيرًا.
فالضحك ليس دائمًا علامة على خفة القلب؛ أحيانًا يكون طريقة ذكية لإبقاء الأسئلة خارج الغرفة.
لكن أكثر الأشياء التي لا تُرى غرابةً، هي تلك التي تحدث للإنسان دون أن ينتبه إليها أحد، وربما دون أن ينتبه إليها هو نفسه.
أن تتغير.
ليس فجأة.
بل قليلًا كل يوم.
أن تتوقف عن انتظار أشياء كنت تنتظرها بشغف.
أن تصبح بعض الأصوات عادية بعدما كانت تعني لك الكثير.
أن تمرّ الأماكن نفسها من أمامك، فلا تلتفت.
ثم تكتشف ذات مساء أنك لم تعد الشخص الذي كان يقف هناك ذات يوم.
لا حادثة كبيرة صنعت ذلك.
فقط... تفاصيل صغيرة تراكمت في مكان لا تصل إليه العيون.
وهذا ما يجعل الإنسان أكثر غموضًا مما يبدو.
فنحن لا نحمل تاريخنا على وجوهنا كاملًا.
هناك سنوات كاملة تختبئ خلف طريقة مشي،
وخيبات تختبئ خلف جملة عابرة،
ومعارك انتهت منذ زمن، لكن آثارها ما زالت تغيّر طريقة صاحبها في النظر إلى الأشياء.
لهذا، ربما علينا أن نكفّ قليلًا عن الحكم على الناس من المشهد الأخير.
فالذي تراه أمامك ليس القصة كلها.
قد يكون هذا الشخص هادئًا لأنه تعب من الضجيج،
وقد يكون حادًا لأنه أمضى وقتًا طويلًا في الدفاع عن نفسه،
وقد يكون كثير العطاء لأنه يعرف جيدًا كيف يبدو الاحتياج حين لا يجد من يراه.
نحن نرى السلوك...
ولا نرى أسبابه.
نرى الوصول...
ولا نرى الطريق.
نرى الابتسامة...
ولا نرى ما احتاج صاحبها إلى إخفائه حتى يستطيع ابتكارها.
وربما أجمل ما يمكن أن نمنحه لبعضنا ليس النصيحة، ولا الأسئلة الكثيرة.
بل قليلًا من الرحمة تجاه الأشياء التي لا نراها.
لأن كل إنسان تقريبًا يحمل في داخله غرفة لا يدخلها أحد.
وفي تلك الغرفة، أشياء لم تُحكَ، وأشياء لم تُشفَ، وأشياء لم تعد تؤلم... لكنها ما زالت هناك.
لذلك، كن لطيفًا.
ليس لأن الجميع طيبون.

بل لأنك لا تعرف كم شيئًا غير مرئي احتاجه هذا الإنسان حتى يصل إليك بهذه الصورة.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
جُرحٌ في الزاوية