بقلم : فيروز أبو الحسن
في الأساطير اليونانية حكاية قديمة عن امرأة اسمها أتالانتا، كانت سريعة إلى درجة أن الرجال لم يستطيعوا هزيمتها في السباق.
اشترطت أن تتزوج من يسبقها فقط، وظلّت تهزم كل من حاول.
حتى جاء رجل اسمه هيبومينس، ولم يحاول أن يكون أسرع منها… بل عرف كيف يجعلها تتوقف.
كان يحمل ثلاث تفاحات ذهبية، وكلما اقتربت منه ألقى واحدة بعيدًا.
كانت أتالانتا تتوقف لتلتقطها، فيكسب هو المسافة.
تفاحة… ثم أخرى… ثم الثالثة.
وفي النهاية، وصل إلى خط النهاية قبلها.
قد تبدو الحكاية للوهلة الأولى مجرد أسطورة عن سباق وحيلة، لكنني توقفت عند شيء آخر:
ماذا لو لم تنحنِ أتالانتا لالتقاط التفاحة الأولى؟
ربما كانت ستفوز.
وربما لم تكن لتتزوج ذلك الرجل أصلًا.
وربما كانت حياتها ستأخذ طريقًا آخر تمامًا.
وهنا تكمن المفارقة التي أحبها في الحكايات القديمة…
أن حياتنا لا تتغير دائمًا بسبب الأحداث الكبيرة التي ننتبه إليها، بل أحيانًا بسبب تفاحة صغيرة نلتقطها ونحن نظن أنها لا تعني شيئًا.
خمس دقائق تأخير…
مكالمة لم نرد عليها…
مكان قررنا ألا نذهب إليه…
شخص مررنا بجانبه دون أن نتوقف…
كلمة قلناها في لحظة عابرة…
أو حتى قرار صغير اتخذناه ونحن لا نعرف أنه سيقسم حياتنا إلى «قبل» و«بعد».
والأغرب أننا حين ننظر إلى الوراء، نبحث دائمًا عن اللحظة الكبيرة التي غيّرتنا.
مع أنها ربما كانت شيئًا صغيرًا جدًا…
صغيرًا إلى درجة أننا لم نتذكره أصلًا.
لهذا لم أعد أؤمن كثيرًا بأن حياتنا تُصنع فقط من القرارات العظيمة.
أحيانًا تصنعها التفاصيل التي لا نمنحها أهمية.
فالطريق لا يحتاج دائمًا إلى منعطفٍ كبير كي يتغير…
يكفي أن تخطئ قدمك خطوة واحدة عن المسار.
وربما لهذا لا ينبغي أن نحتقر التفاصيل الصغيرة في أيامنا.
ابتسامة قد تجعل شخصًا يعدل عن فكرة سيئة.
كلمة طيبة قد تبقى في قلب إنسان سنوات.
اعتذار في وقته قد ينقذ علاقة.
وتأجيل بسيط قد يضعك في مكان لم تكن لتصل إليه لو وصلت في الموعد.
نحن لا نعرف أبدًا أيّ لحظة من يومنا تحمل أثرًا أكبر من حجمها.
لذلك…
لا تمرّوا على أيامكم بعينٍ مستعجلة.
انتبهوا للتفاصيل.
للوجوه.
للكلمات.
للقرارات الصغيرة.
فربما الشيء الذي تعتبرونه عابرًا الآن…
هو نفسه الذي سيجعلكم بعد سنوات تلتفتون إلى الوراء وتقولون:
«لو أنني في ذلك اليوم فعلت شيئًا مختلفًا… لما أصبحت أنا التي أنا عليها اليوم.»
وقد تكون هذه هي الحكمة التي تخبئها لنا الأساطير القديمة:
أن الإنسان لا يعرف أيّ تفاحة يلتقطها، ولا أيّ طريق يغيّر اتجاهه بسببها.
لذلك عش يومك بانتباه…
فبعض اللحظات لا تعلن عن أهميتها حين تأتي.
نكتشف قيمتها فقط…
بعد أن تصبح جزءًا من حكايتنا.