بقلم د : أحمد قحيف
المعارك والهجوم المتبادل بين الذكورية والنسوية في الوقت الحالي يكشفان أن هناك شيئًا ما في المجتمع يحتاج إلى مراجعة.. فحالة التنافر بين الجنسين تتزايد يومًا بعد يوم، وكأن العلاقة بين الرجل والمرأة تحولت إلى صراع بدلًا من أن تكون تكاملًا.
المعارك والهجوم المتبادل بين الذكورية والنسوية في الوقت الحالي يكشفان أن هناك شيئًا ما في المجتمع يحتاج إلى مراجعة.. فحالة التنافر بين الجنسين تتزايد يومًا بعد يوم، وكأن العلاقة بين الرجل والمرأة تحولت إلى صراع بدلًا من أن تكون تكاملًا.
أولًا: لا فضل لجنس على جنس، فنحن جميعًا متساوون في الإنسانية والكرامة، لكن هذا لا يعني بالضرورة تطابق الأدوار والواجبات.
جزء كبير من الخلاف اليوم ناتج عن عدم إدراك الواقع الجديد.. فكثير من الرجال يريدون أن يتعاملوا مع المرأة بالطريقة نفسها التي كانت سائدة قبل خروجها إلى التعليم والعمل، لكن المعادلة تغيرت، لأن الواقع نفسه تغير.. المرأة اليوم متعلمة، عاملة، منتجة، وفي كثير من الحالات مستقلة ماديًا، ولذلك من الطبيعي أن تتغير طبيعة العلاقات والأدوار تبعًا لهذا التغير.
فالعلاقة بين الرجل وامرأة لم تتعلم، ولا تعمل، ولا تملك دخلًا مستقلًا، ليست بالضرورة كالعلاقة بين الرجل وامرأة متعلمة، عاملة ومستقلة ماديًا.. لا يمكن أن يتغير الواقع ثم نصر على التعامل معه بأدوات الماضي نفسها.
وفي المقابل، فإن جزءًا من أزمة المرأة المعاصرة أنها لم تتعامل دائمًا بوعي مع هذه المستجدات، فالعمل وتحقيق الذات، في بعض الحالات، تحولا من وسائل لبناء حياة أفضل إلى غايات تتقدم على تكوين الأسرة والحفاظ عليها، وكأن النجاح الشخصي والأسري لا يمكن أن يجتمعا.
ومشكلة الرجل في هذا العصر أيضًا أصبحت مركبة، فهو مطالب بالتعامل مع امرأة أكثر استقلالًا ووعيًا وقدرة على الاختيار، بينما لا يزال بعض التصورات القديمة عن أدواره وأدوارها حاضرًا في ذهنه.
الموضوع أعقد من أن يُختزل في شعار: "الرجال سيئون" أو "النساء سيئات".. هناك تغير اجتماعي واقتصادي وثقافي عميق أعاد تشكيل العلاقة بين الرجل والمرأة.
لذلك، المطلوب ليس مزيدًا من المعارك والشحن المتبادل، وإنما قدر أكبر من الوعي بالواقع.. كل إنسان ينبغي أن يعرف ماذا يريد من العلاقة، وما طبيعتها، وما مسؤولياته ومسؤوليات الطرف الآخر، وأن يدرك أن العلاقات لا تُبنى على القوالب الجاهزة، بل على فهم حقيقي للواقع وتوافق واعٍ بين الطرفين.
الإنسان العاقل ليس من يعيش في صراع مع الواقع، ولا من يحاول إعادة المجتمع إلى صورة لم تعد موجودة.. وإنما من يفهم ما تغير، ويدرك أبعاده، ثم يتعامل معه بوعي وحكمة بعيدًا عن التعصب والكراهية .