علي الحناوي - مصر
لقد تعلمنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الستر ليس مجرد خُلق ، بل عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، وجزاء ينتظره يوم يحتاج إلى رحمة الله وستره. فالإنسان الذي يستر عباد الله لا يفعل ذلك من موقع الضعف، بل من موقع الإدراك العميق لطبيعة النفس البشرية، وفهمه أن الناس جميعا يتعثرون، وأن اليد التي ترفع الساقط أعظم من الأصابع التي تشير إليه.
لكن القضية لا تتوقف عند ستر من أخطأ، بل تمتد إلى ما هو أخطر من ذلك؛ إلى حماية الأبرياء من الظنون والأوهام والشائعات. فكم من إنسان ابتلي في سمعته وهو بريء، وكم من رجل أو امرأة تحولت حياتهما إلى ساحة للاتهامات بسبب كلمة قيلت أو رواية تناقلتها الألسنة دون تثبت أو دليل. إن بعض الناس يتعامل مع الشائعة وكأنها حقيقة، ومع الظن وكأنه يقين، ثم يبني على ذلك أحكاما قاسية قد تدمر حياة إنسان بأكملها.
ولقد سجل القرآن درسا خالدا في حادثة الإفك حين تعرضت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها لاتهام باطل تناقله الناس، حتى أنزل الله براءتها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. لم تكن القصة مجرد حادثة تاريخية، بل كانت رسالة للأمة كلها: لا تجعلوا آذانكم ممرا للشائعات، ولا ألسنتكم جسورا للبهتان، ولا قلوبكم محاكم تصدر الأحكام قبل أن تعرف الحقيقة.
إن من الظلم أن نحكم على إنسان بالإعدام المعنوي لأننا سمعنا عنه كلاما لا نعرف صدقه، ومن القسوة أن نتخلى عن أخطائنا حين تصيبنا ثم نطالب الآخرين بالكمال حين يخطئون. وإذا كان الإنسان قد وقع في خطأ لم يؤذ به أحدا، فالأولى أن نعينه على إصلاح نفسه لا أن نحاصره ونغلق في وجهه أبواب العودة. فكم من مذنب صار صالحا بسبب كلمة رحيمة، وكم من إنسان ازداد بعدا وانكسارا بسبب فضيحة كان يمكن تجنبها.
إن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الجرائم الكبرى، بل تنهار أيضا حين يفقد الناس الرحمة فيما بينهم، وحين يتحول تتبع العورات إلى هواية، والتشهير إلى تسلية، وإسقاط الآخرين إلى وسيلة للشعور بالتفوق. أما المجتمع الذي تسوده الرحمة والستر والتثبت والإنصاف، فهو مجتمع يمنح أبناءه فرصة للنهوض بعد السقوط، وفرصة للتوبة بعد الذنب، وفرصة للحياة بعد الخطأ.
فلنتعلم أن نواري سوءة إخواننا كما نحب أن يواري الله سوءاتنا، وأن نلتمس الأعذار قبل الاتهامات، وأن نبحث عن الحقيقة قبل إصدار الأحكام، وأن نكون عونا للناس على أنفسهم لا سيفا مسلطا عليهم. فما أحوج هذا العالم إلى قلوب رحيمة تستر ولا تفضح، وتنصح ولا تشهر، وتبني ولا تهدم، وتدرك أن الإنسان لا يحتاج دائما إلى من يكشف عثرته، بل إلى من يأخذ بيده حتى ينهض من جديد.