بقلم : فيروز الحسن
حين تعلمت الأرض اسمها الأول
لم يكن في الأرض أحدٌ يناديها.. ولا في الجهات أسماء.. ولا في الأشياء ما يدل عليها سوى صمتها.
ثم أراد الله للغياب أن يصير حضورا، وللتراب أن يحمل سرّا لا يعرفه التراب، فخلق آدم.
من طين، لكنه لم يكن مجرد طين. كان في قبضة الخلق بداية حكاية، وفي نفخة الروح سرّ سيجعل من الصمت كلاما، ومن الأرض سؤالا، ومن الإنسان امتحانا.
ثم علمه الأسماء كلّها.
كأنّ الله لم يمنحه الحياة وحدها.. بل منحه مفاتيحها؛ علمه كيف يشير إلى الشيء فيغدو له اسم، وكيف يهب الصمت صوتا، وكيف يخرج المعنى من مخبئه ليجلس على لسان.
وعرضت الأسماء على الملائكة، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟
كانوا يرون ما يمكن أن يكون، ولم يكونوا يعلمون ما سيكون.
فقال الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وهنا، في المسافة بين ما يرى وما يُخفى، كان الإنسان يحمل سره الأول أن يكون قادرا على النقيضين؛ أن يبني بيد، ويهدم بيد، أن يزرع وردة في التراب، ثم يترك شوكة في قلب أخيه.
وعلّم آدم الأسماء، فأنبأهم بها.
ولم تكن الأسماء حروفا تقال، بل كانت علامة على علم لا يملكونه، وبابا فتح أمام مخلوق سيخطئ، لكنه سيعرف معنى الخطأ.. وسيسقط، لكنّه سيعرف معنى العودة.
ثم جاء الأمر بالسجود.
سجدت الملائكة، إلا إبليس.
لم يكن اعتراضه على الطين، بل على أن يكون للطين ما ليس للنار، ولم يكن يرى في آدم إلا أصله، بينما كان الأمر الإلهي يكشف ما وراء الأصل.
قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾.
وكانت تلك أول مرةٍ يصبح فيها الكِبْر أعمى من أن يرى، وأول مرة يظن فيها مخلوق أن مادّة خلقه تمنحه حقّ الاعتراض.
النارُ ترتفع، والطين ينحني، لكنّ العلو ليس دائما رفعة، ولا الانحناء هزيمة.
ومنذ تلك اللحظة، صار لإبليس طريق، ولآدم طريق؛ هذا اختار أن يرى نفسه أعلى، وذاك لم يكن قد عرف بعد أن أصعب ما في الطريق ليس الوصول إلى الجنة، بل البقاء فيها.
وفي الجنة، كان آدم.
لا جوع يطرق بابه، ولا خوف ينام عند عتبة قلبه، ولا أرض تطلب منه أن يحرثها كي تمنحه رغيفا.
كلّ شيءٍ قريب، وكل شيءٍ مباح، إلا شجرة.
ثم خلق الله له زوجًا، ليسكن إليها، ولتكون بينهما الألفة التي لا يصنعها الاكتفاء، ولا يهبها الامتلاء.
فلم يعد آدم وحده في الجنة، ولم تعد الوحدة أول ما يراه حين يفتح عينيه.
صار هناك قلب آخر يتقاسم معه سعة المكان، وصمت الأشجار، والمشي الذي لا يعرف التعب.
ومع ذلك، كان هناك حدّ.
شجرة واحدة.
كأنّ النعمة، مهما اتّسعت، تظلّ محاطةً ببابٍ صغير يُختبر عنده معنى الطاعة.
قال الله لهما: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
لم تكن الجنة ضيّقة، لكنّ الرغبة تعرف كيف تجعل الممنوع أوسع من المباح.. وكيف تطفئ في العين ألف نعمة لتبقي شجرة واحدة مشتعلة.
وكان إبليس هناك، لا ليمنح آدم ما ينقصه، بل ليجعله يشتهي ما نهي عنه.
وسوس لهما.
لم يأتهما على هيئة عدو يحمل سكينا، فالعداوة حين تريد أن تدخل القلب تخلع صوتها المخيف وتأتي في هيئة نصيحة
زين.. ووعد.. وأقسم لهما، حتى صار النهي في سمعهما كأنه حرمان، وصارت الشجرة في عيونهما كأنها باب إلى الخلود.
وهكذا يفعل الوهم: لا يقول لك إنك ستخسر، بل يقنعك أنّك ستربح.
ولا يفتح لك باب السقوط، بل يسميه صعودا.
فأكلا منها.
وفي اللحظة التي امتدّت فيها اليد، لم تكن الثمرة وحدها هي التي قطفت؛ كان شيءٌ من الطمأنينة يتساقط، وكانت البراءة تعرف للمرة الأولى أن للأشياء وجهًا آخر لا يظهر إلا بعد فوات الأوان.
بدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
يا للمفارقة!
في المكان الذي لم يعرف الستر حاجة، احتاج الإنسان إلى ورقة.
وفي المكان الذي لم يعرف الخوفَ بيتًا، صار يبحث عمّا يستره.
لم تتّسع الشجرة، لكن المسافة بين الأمر والطاعة اتسعت. ولم تتغير الجنة، لكن شيئا في الإنسان تغير.
ثم جاء الهبوط.
إلى الأرض.
إلى المكان الذي سألت الملائكة عنه، والذي سيعرف الدم والدموع، والزرع والحصاد، والولادة والفقد، والحبّ الذي يرفع صاحبه، والكراهية التي تدفعه إلى الحضيض.
هبط آدم، وهبطت حواء، وهبط إبليس عدوّا لهما، وقد جعل الله بينهم عداوةً إلى حين.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الأرض مجرّد تراب.
صارت امتحانا طويلًا بين ما يعرفه الإنسان وما يختاره، بين النداء الذي يردّه إلى النور، والوسوسة التي تدعوه إلى الظلام.
وصار على آدم وذريته أن يتعلّموا ما لم يكن في الجنة على هذا النحو: أن الجوع يعلمهم قيمة الرغيف، وأن الفقد يعلّمهم قيمة الحضور، وأن الخطأ، وإن فتح باب الندم، لا يغلق بالضرورة باب الرحمة.
فآدم لم يكن آخر الحكاية، بل كان أول من حملها إلى الأرض.
وإبليس لم ينتصر لمجرد أن آدم أخطأ، بل اختار أن يجعل من الخطأ طريقا لا ينتهي، ومن الغواية وعدا يتجدد مع كل قلب.
لكنّ الحكاية لم تنته عند الشجرة.
ففي القرآن، لم يكن آدم مجرد عاصٍ طرد من النعيم؛ لقد تلقّى من ربه كلمات فتاب عليه.
وهنا، في قلب الحكاية تختلف الثمرة عن ثمرتها الأولى.
إبليس أخطأ فاستكبر وآدم أخطأ فتاب.
ذاك رأى خطأه سببا لاتهام غيره، وهذا تعلم أن يعود إلى ربّه.
وبين الاستكبار والاعتراف، امتدّت الأرض كلّها.
كأن الإنسان، منذ خطوته الأولى، لم يمنح اسمًا واحدا، بل مُنح القدرة على أن يختار أي الأسماء سيحملها.
فهو ابن الطين، لكنّ الطين ليس عذرا.
وهو عابرٌ على الأرض، لكنّ الأرض ليست نهاية الطريق.
وكلما همس له إبليس: هذه المرّة لن تخسر شيئًا، كان عليه أن يتذكر الشجرة.
وكلّما أثقلته خطيئة، كان عليه أن يتذكر الكلمات.
فبين شجرة أوقعته، وكلمات أعادته، بدأت حكاية الإنسان.
حكاية مخلوق يعرف الأسماء، ولا يزال يتعلّم كيف يسمّي الأشياء بأسمائها:
أن يسمي الغرور غرورا، لا كرامة
وأن يسمي الغواية غواية، لا حرية
وأن يسمّي الندم بدايةً، لا نهاية