تخطي للذهاب إلى المحتوى

حين غيّرت التكنولوجيا أبطال الأدب

4 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

د.عادل جعفر الحلي - العراق

لم تكن التكنولوجيا مجرد أدوات أضافها الإنسان إلى حياته، بل قوة أعادت تشكيل خياله ونظرته إلى البطولة. فكلما جعل الاختراع مهنة أكثر أماناً، انتزع منها شيئاً من غموضها، ودفع الأدب إلى البحث عن أبطال جدد.

كان البحّار أوضح مثال على ذلك. فقبل السفن البخارية والمحركات ووسائل الاتصال، كان البحر عالم منفصل عن اليابسة؛ من يدخله لا يعرف إن كان سيعود. وكانت السفن الخشبية تواجه العواصف والجوع والمرض والتمرد، لذلك أصبح البحّار في الأدب رمزاً للشجاعة والحرية والصراع مع المجهول.

من هذا العالم خرج الكابتن أهاب في "موبي ديك "، الذي حوّل مطاردة الحوت الأبيض إلى مواجهة مع القدر وهواجس النفس، وظهر وولف لارسن في "ذئب البحر" ، حيث صار البحر مسرحاً للصراع بين القوة والأخلاق. ثم جاء سانتياغو في "الشيخ والبحر" ، صياد عجوز يخوض معركته وحيداً، مؤمناً بأن الإنسان قد يتحطم، لكنه لا يُهزم.

كما صنعت المغامرة البحرية أعمالاً مثل "روبنسون كروزو"  و"جزيرة الكنز "و"اللورد جيم " ، وفي الأخيرة يهجر بحّار سفينة مهددة بالغرق، ثم يقضي حياته محاولاً استعادة كرامته، فتتحول الكارثة إلى محاكمة أخلاقية للإنسان أمام نفسه. وحتى التكنولوجيا دخلت أدب البحر بوصفها مصدر للدهشة، كما في "عشرون ألف فرسخ تحت البحر"، حيث نقلت الغواصة "نوتيلوس" المغامرة إلى الأعماق، وظهر الكابتن نيمو بطلاً يجمع بين البحّار والعالم والمتمرد.

لكن البحر تغير مع المحركات والرادار والأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع. أصبح توقع العواصف وطلب النجدة وتحديد موقع السفينة ممكناً، ففقد البحر جزءاً من عزلته وغموضه، وتراجع البحّار تدريجياً عن مركز المخيلة الأدبية.

وهذا التحول لا يخص البحر وحده؛ فقد قلّ سحر الرحلة بعدما اختصرت الطائرة المسافات، وانتهى انتظار الرسائل الطويل، وفقد المستكشف بعض هالته بعد تصوير الأرض بالأقمار الصناعية. وربما يتغير قريبًا أدب السائق والطيار والجراح والمترجم، مع تقدم الذكاء الاصطناعي إلى ميادين كانت حكراً على المهارة البشرية.

غير أن التكنولوجيا لا تقتل البطولة، بل تنقلها. ففي "المريخي" يحل رائد الفضاء مكان البحّار، ويصبح المريخ بحراً جديداً يعزل الإنسان. كما أعادت الروايات المناخية البحر بصورة مختلفة؛ فلم يعد مسرحاً لمغامرة فردية، بل قوة تهدد المدن والجزر وتدفع البشر إلى الهجرة.

أبطال عصرنا قد يكونون أطباء وسط وباء، أو علماء يحذرون من كارثة مناخية، أو صحفيين يواجهون الفساد، أو مهاجرين يعبرون البحر، أو أفراد يقاومون المراقبة والخوارزميات. وقد أصبحت البطولة أقل ضجيجاً وأكثر تعقيداً ، لأنها تقوم على الاحتفاظ بالإنسانية داخل عالم يريد تحويل الإنسان إلى رقم.

لذلك لا ينبغي أن نسأل: أين اختفى البحّار البطل؟ بل —- إلى أي هيئة انتقل؟

لقد جعلت التكنولوجيا البحر أقل غموضاً، لكنها لم تجعل الحياة أقل صراعًا. فالبحر القديم لم يختف حقاً، لقد غيّر اسمه فقط.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً