بقلم: محمود شعبان
( خماسية السعادة الإنسانية في الآيات القرآنية ) .
*ما الذي يجعل الإنسان سعيدا؟
قد يبدو السؤال بسيطا ، لكن الإجابة عنه ليست كذلك .
فالإنسان قد يملك المال ولا يشعر بالراحة ، وقد يتمتع بالصحة لكنه يعيش في خوف ، وقد يكون آمنا لكنه لا يجد ما يكفيه ، وقد يمتلك كثيرا من أسباب الحياة ثم يبقى في داخله شيء من القلق أو الشقاء أو عدم الرضا .
وفي عالمنا اليوم حيث تتزايد فيه الاحتياجات والمقارنات والضغوط ، ربما نحتاج إلى أن نعيد النظر في معنى السعادة نفسها .
*(فالسعادة ليست مجرد لحظة فرح ، كما أنها ليست حياة خالية من المشكلات ، وإنما حالة إنسانية تتداخل فيها ظروف الحياة مع طريقة الإنسان في التعامل معها، ومع المعنى الذي يمنحه لحياته ).
*ويمكننا أن نستأنس بالسياق القرآني في استخلاص (خمسة محاور أساسية) للسعادة الإنسانية ، تبدو مترابطة ومتساندة معا ، وهي :
(الأمن ، والعافية ، والكفاية ، والرضا ، والإيمان) .
(١)الأمن :
يبدأ الإنسان السعيد من شعور أساسي بالأمان ؛ أن يأمن على نفسه وأهله ، وأن يجد في بيئته قدرا من الاستقرار يسمح له بأن يعيش ويعمل ويخطط .
يقول تعالى في محكم التنزيل :
" الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " سورة قريش ٤ .
ويقول سبحانه وتعالى :
" وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " سورة النحل ١١٢ .
واللافت أن القرآن يجمع بين الأمن والرزق ، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبني حياة مستقرة إذا كان الخوف يستهلك طاقته النفسية باستمرار .
وقد جمع النبي (ص) بين الأمن والعافية والكفاية في حديث واحد فقال :
" من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا " رواه الترمذي .
وهكذا يبدو الأمن أحد الشروط الأساسية التي تمنح الإنسان مساحة نفسية يستطيع فيها أن يعيش، ويخطط، وينمو.
(٢)العافية :
إذا كان الأمن يحمي الإنسان من الخوف، فإن العافية تمنحه القدرة على ممارسة الحياة .
وهي أوسع من مجرد غياب المرض ؛ فهي تشمل سلامة الجسد ، وقدرا من التوازن النفسي ، والقدرة على القيام بمسؤوليات الحياة والتعامل مع ضغوطها.
وقد كان من دعاء النبي (ص):
" اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة "
(رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه).
لذا فإنها في الدعاء النبوي ليست محصورة في الجسد ، وإنما هي معنى أوسع للسلامة في الدين والدنيا والأهل والمال، ولذلك يمكن النظر إليها باعتبارها قدرة الإنسان على أن يعيش حياته بصورة أكثر توازنا وأمانا .
وهذا يقترب من التصور الحديث للصحة النفسية الذي لا يحصرها في غياب الاضطراب ، وإنما ينظر إليها أيضا من خلال قدرة الإنسان على التعامل مع ضغوط الحياة، واستثمار قدراته، والقيام بأدواره بصورة منتجة .
من هنا تصبح المحافظة على العافية استثمارا في قدرة الإنسان على أن يعيش حياته ، لا مجرد محاولة لتجنب المرض .
(٣)الكفاية :
أما الكفاية فهي أن يتوافر للإنسان من الموارد ما يلبي حاجاته الأساسية ، ويمنحه قدرا من الاستقرار ، دون أن تتحول الرغبة في التكاثر إلى سباق لا نهاية له .
ولهذا اخترت كلمة "الكفاية" بدلا من "الغنى" ؛ لأن السعادة لا تتوقف بالضرورة على كثرة ما نملك ، وإنما على قدرتنا على أن نعيش حياة كريمة ومتوازنة بما نملك .
يقول تعالى:
" فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " قريش ٤/٣.
فالطعام هنا يمثل الاحتياج الأساسي ، والأمن يمثل الاستقرار ، وكلاهما من مقومات الحياة الإنسانية .
وقد جمع النبي (ص) هذه المعاني في الحديث الذي سبق ذكره: "عنده قوت يومه"، ثم قال: "فكأنما حيزت له الدنيا".
وليس معنى ذلك أن الإسلام يدعو إلى ترك الطموح أو تحسين مستوى المعيشة، وإنما أن ندرك أن المال وسيلة من وسائل الحياة ، وليس هو وحده معيار السعادة .
*وهذا يتفق مع الطرح النفسي لمايكل أرجايل Michael Argyle في كتابه "سيكولوجية السعادة" The Psychology of Happiness، حيث تناول السعادة بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد ، تتداخل فيها الصحة والعلاقات والعمل والمال والأهداف وغيرها .
فالمال مهم ، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح الإنسان أمنا أو عافية أو رضا أو معنى .
(٤)الرضا :
وهنا ننتقل من الخارج إلى الداخل .
فالإنسان قد يكون آمنا ، معافى ، وتتوفر له حاجاته ، ومع ذلك لا يشعر بالسعادة ؛ لأنه لا يزال في صراع دائم مع واقعه ، أو مع ما لم يحصل عليه .
والرضا لا يعني التوقف عن التغيير ، ولا يعني الاستسلام للواقع ، وإنما يعني أن يتقبل الإنسان واقعه نفسيا ، ثم يعمل على تحسين ما يستطيع تحسينه .
يقول تعالى:
" رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه " سورة البينة ٨ .
إنها علاقة متبادلة بين رضا الله عن عباده ورضاهم عنه ، وهي صورة عميقة من صور الطمأنينة والقبول .
ويقول سبحانه أيضا :
" وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " سورة البقرة ٢١٦.
وهذه الآية لا تطلب من الإنسان أن يحب ما يؤلمه ، وإنما تذكره بحدود معرفته ؛ فقد لا يرى الإنسان الخير الكامن وراء بعض الأحداث ، بينما يعلم الله ما لا يعلمه الإنسان .
ويأتي الحديث النبوي ليضع الرضا في مواجهة السخط حيث يقول(ص) :
"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط "
رواه الترمذي .
فالرضا ليس إنكارا للألم ، وليس دعوة إلى الاستسلام ، وإنما هو قدرة على ألا يتحول الألم إلى رفض دائم للحياة .
*وهذا المعنى يمكن أن يتقاطع جزئيا مع ما تسميه بعض الاتجاهات الحديثة في علم النفس "المرونة النفسية" ؛ أي قدرة الإنسان على تقبل واقعه الداخلي والتعامل معه ، مع الاستمرار في الفعل والتغيير .
(٥)الإيمان :
ويبقى المحور الأعمق ؛ لأن الإنسان قد يمتلك كثيرا من أسباب الحياة ، لكنه يحتاج أيضا إلى معنى يهديه في استخدامها ، وإلى مرجعية تمنحه القدرة على فهم ما يمر به .
يقول تعالى :
" ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم " سورة التغابن ١١.
فالإيمان هنا ليس مجرد معلومة في العقل ، وإنما هداية للقلب ، أي أنه يؤثر في الطريقة التي يستقبل بها الإنسان الأحداث ويتعامل معها .
ويقول سبحانه:
" فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى "
سورة طه ١٢٣.
*وهذا لا يعني أن المؤمن لن يحزن أو يمرض أو يواجه الأزمات ، وإنما يعني أن الهداية تمنحه بوصلة داخلية تمنع أن تتحول مشكلات الحياة إلى شقاء وجودي بلا معنى .
ويأتي تعبير قرآني آخر أكثر عمقا في وصف أثر الإيمان والهداية في الداخل الإنساني :
"والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم "
سورة محمد ٢.
وفي موضع آخر يقول سبحانه:
"والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ، سيهديهم ويصلح بالهم "
سورة محمد ٤/٥ .
وتعبير "إصلاح البال" من أجمل التعبيرات القرآنية في هذا السياق ؛ فهو لا يقتصر على شعور عابر بالسعادة ، وإنما يشير إلى صلاح الشأن والحال ، وفي الدعاء النبوي "ياحي ياقيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله " .
و يمكننا أن نستأنس بالتعبير القرآني "وأصلح بالهم " في الحديث عن الاستقرار الداخلي لنفسية الإنسان .
ثم يقول تعالى:
" من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون "
سورة النحل ٩٧.
فالحياة الطيبة في القرآن تأتي في سياق الإيمان والعمل الصالح ، لتشير إلى حياة يتكامل فيها المعنى والعمل والهداية ، ولا تختزل في الوفرة المادية أو غياب المشكلات .
وفي الحديث يقول النبي (ص):
" ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا " .
(رواه مسلم) .
وهنا نلتقي مرة أخرى مع الرضا ، لكن في مستوى أعمق ، فالرضا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، جزء من تذوق معنى الإيمان نفسه .
ثم يفتح القرآن للسعادة أفقا أبعد من الحياة الدنيا ، فيقول:
" وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ " هود ١٠٨ .
*وهكذا لا تبدو السعادة في التصور القرآني مجرد (حالة مزاجية عابرة) ، وإنما تمتد من جودة الحياة في الدنيا إلى المصير الأخروي .
*(خلاصة )
هكذا يمكننا أعزائي القراء أن نستأنس بالسياق القرآني في النظر إلى السعادة من خلال خمسة محاور مترابطة :
١.الأمن يحمي الإنسان ،
٢.والعافية تمكنه ،
٣.والكفاية تسنده ،
٤.والرضا يحفظ توازنه الداخلي ،
ه.والإيمان يمنح حياته الهداية والمعنى .
*وهذه المحاور القرآنية الخمسة تمثل إطارا يساعدنا على النظر إلى السعادة الإنسانية بصورة أكثر تكاملا وتوازنا .