تخطي للذهاب إلى المحتوى

خماسية السعادة الإنسانية في الآيات القرآنية

12 أكتوبر 2026 بواسطة
المحررة نور الباسي
لا توجد تعليقات بعد

بقلم: محمود شعبان


( خماسية السعادة الإنسانية في الآيات القرآنية ) .


*ما الذي يجعل الإنسان سعيدا؟

قد يبدو السؤال بسيطا ، لكن الإجابة عنه ليست كذلك .

فالإنسان قد يملك المال ولا يشعر بالراحة ، وقد يتمتع بالصحة لكنه يعيش في خوف ، وقد يكون آمنا لكنه لا يجد ما يكفيه ، وقد يمتلك كثيرا من أسباب الحياة ثم يبقى في داخله شيء من القلق أو الشقاء أو عدم الرضا .

وفي عالمنا اليوم حيث تتزايد فيه الاحتياجات والمقارنات والضغوط ، ربما نحتاج إلى أن نعيد النظر في معنى السعادة نفسها .

*(فالسعادة ليست مجرد لحظة فرح ، كما أنها ليست حياة خالية من المشكلات ، وإنما حالة إنسانية تتداخل فيها ظروف الحياة مع طريقة الإنسان في التعامل معها، ومع المعنى الذي يمنحه لحياته ).


*ويمكننا أن نستأنس بالسياق القرآني في استخلاص (خمسة محاور أساسية) للسعادة الإنسانية ، تبدو مترابطة ومتساندة معا ، وهي :

(الأمن ، والعافية ، والكفاية ، والرضا ، والإيمان) .


(١)الأمن :

يبدأ الإنسان السعيد من شعور أساسي بالأمان ؛ أن يأمن على نفسه وأهله ، وأن يجد في بيئته قدرا من الاستقرار يسمح له بأن يعيش ويعمل ويخطط .

يقول تعالى في محكم التنزيل :

" الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " سورة قريش ٤ .

ويقول سبحانه وتعالى :

" وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " سورة النحل ١١٢ .

واللافت أن القرآن يجمع بين الأمن والرزق ، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبني حياة مستقرة إذا كان الخوف يستهلك طاقته النفسية باستمرار .

وقد جمع النبي (ص) بين الأمن والعافية والكفاية في حديث واحد فقال :

" من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا " رواه الترمذي .

وهكذا يبدو الأمن أحد الشروط الأساسية التي تمنح الإنسان مساحة نفسية يستطيع فيها أن يعيش، ويخطط، وينمو.


(٢)العافية :

إذا كان الأمن يحمي الإنسان من الخوف، فإن العافية تمنحه القدرة على ممارسة الحياة .

وهي أوسع من مجرد غياب المرض ؛ فهي تشمل سلامة الجسد ، وقدرا من التوازن النفسي ، والقدرة على القيام بمسؤوليات الحياة والتعامل مع ضغوطها.

وقد كان من دعاء النبي (ص):

" اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة "

(رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه).

لذا فإنها في الدعاء النبوي ليست محصورة في الجسد ، وإنما هي معنى أوسع للسلامة في الدين والدنيا والأهل والمال، ولذلك يمكن النظر إليها باعتبارها قدرة الإنسان على أن يعيش حياته بصورة أكثر توازنا وأمانا .

وهذا يقترب من التصور الحديث للصحة النفسية الذي لا يحصرها في غياب الاضطراب ، وإنما ينظر إليها أيضا من خلال قدرة الإنسان على التعامل مع ضغوط الحياة، واستثمار قدراته، والقيام بأدواره بصورة منتجة .

من هنا تصبح المحافظة على العافية استثمارا في قدرة الإنسان على أن يعيش حياته ، لا مجرد محاولة لتجنب المرض .


(٣)الكفاية :

أما الكفاية فهي أن يتوافر للإنسان من الموارد ما يلبي حاجاته الأساسية ، ويمنحه قدرا من الاستقرار ، دون أن تتحول الرغبة في التكاثر إلى سباق لا نهاية له .

ولهذا اخترت كلمة "الكفاية" بدلا من "الغنى" ؛ لأن السعادة لا تتوقف بالضرورة على كثرة ما نملك ، وإنما على قدرتنا على أن نعيش حياة كريمة ومتوازنة بما نملك .

يقول تعالى:

" فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " قريش ٤/٣.

فالطعام هنا يمثل الاحتياج الأساسي ، والأمن يمثل الاستقرار ، وكلاهما من مقومات الحياة الإنسانية .

وقد جمع النبي (ص) هذه المعاني في الحديث الذي سبق ذكره: "عنده قوت يومه"، ثم قال: "فكأنما حيزت له الدنيا".

وليس معنى ذلك أن الإسلام يدعو إلى ترك الطموح أو تحسين مستوى المعيشة، وإنما أن ندرك أن المال وسيلة من وسائل الحياة ، وليس هو وحده معيار السعادة .


*وهذا يتفق مع الطرح النفسي لمايكل أرجايل Michael Argyle في كتابه "سيكولوجية السعادة" The Psychology of Happiness، حيث تناول السعادة بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد ، تتداخل فيها الصحة والعلاقات والعمل والمال والأهداف وغيرها .

فالمال مهم ، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح الإنسان أمنا أو عافية أو رضا أو معنى .


(٤)الرضا :

وهنا ننتقل من الخارج إلى الداخل .

فالإنسان قد يكون آمنا ، معافى ، وتتوفر له حاجاته ، ومع ذلك لا يشعر بالسعادة ؛ لأنه لا يزال في صراع دائم مع واقعه ، أو مع ما لم يحصل عليه .

والرضا لا يعني التوقف عن التغيير ، ولا يعني الاستسلام للواقع ، وإنما يعني أن يتقبل الإنسان واقعه نفسيا ، ثم يعمل على تحسين ما يستطيع تحسينه .

يقول تعالى:

" رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه " سورة البينة ٨ .

إنها علاقة متبادلة بين رضا الله عن عباده ورضاهم عنه ، وهي صورة عميقة من صور الطمأنينة والقبول .

ويقول سبحانه أيضا :

" وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " سورة البقرة ٢١٦.

وهذه الآية لا تطلب من الإنسان أن يحب ما يؤلمه ، وإنما تذكره بحدود معرفته ؛ فقد لا يرى الإنسان الخير الكامن وراء بعض الأحداث ، بينما يعلم الله ما لا يعلمه الإنسان .

ويأتي الحديث النبوي ليضع الرضا في مواجهة السخط حيث يقول(ص) :

"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط "

رواه الترمذي .

فالرضا ليس إنكارا للألم ، وليس دعوة إلى الاستسلام ، وإنما هو قدرة على ألا يتحول الألم إلى رفض دائم للحياة .

*وهذا المعنى يمكن أن يتقاطع جزئيا مع ما تسميه بعض الاتجاهات الحديثة في علم النفس "المرونة النفسية" ؛ أي قدرة الإنسان على تقبل واقعه الداخلي والتعامل معه ، مع الاستمرار في الفعل والتغيير .


(٥)الإيمان :

ويبقى المحور الأعمق ؛ لأن الإنسان قد يمتلك كثيرا من أسباب الحياة ، لكنه يحتاج أيضا إلى معنى يهديه في استخدامها ، وإلى مرجعية تمنحه القدرة على فهم ما يمر به .

يقول تعالى :

" ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم " سورة التغابن ١١.

فالإيمان هنا ليس مجرد معلومة في العقل ، وإنما هداية للقلب ، أي أنه يؤثر في الطريقة التي يستقبل بها الإنسان الأحداث ويتعامل معها .

ويقول سبحانه:

" فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى "

سورة طه ١٢٣.

*وهذا لا يعني أن المؤمن لن يحزن أو يمرض أو يواجه الأزمات ، وإنما يعني أن الهداية تمنحه بوصلة داخلية تمنع أن تتحول مشكلات الحياة إلى شقاء وجودي بلا معنى .

ويأتي تعبير قرآني آخر أكثر عمقا في وصف أثر الإيمان والهداية في الداخل الإنساني :

"والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم "

سورة محمد ٢.

وفي موضع آخر يقول سبحانه:

"والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ، سيهديهم ويصلح بالهم "

سورة محمد ٤/٥ .

وتعبير "إصلاح البال" من أجمل التعبيرات القرآنية في هذا السياق ؛ فهو لا يقتصر على شعور عابر بالسعادة ، وإنما يشير إلى صلاح الشأن والحال ، وفي الدعاء النبوي "ياحي ياقيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله " .

و يمكننا أن نستأنس بالتعبير القرآني "وأصلح بالهم " في الحديث عن الاستقرار الداخلي لنفسية الإنسان .

ثم يقول تعالى:

" من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون "

سورة النحل ٩٧.

فالحياة الطيبة في القرآن تأتي في سياق الإيمان والعمل الصالح ، لتشير إلى حياة يتكامل فيها المعنى والعمل والهداية ، ولا تختزل في الوفرة المادية أو غياب المشكلات .

وفي الحديث يقول النبي (ص):

" ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا " .

(رواه مسلم) .

وهنا نلتقي مرة أخرى مع الرضا ، لكن في مستوى أعمق ، فالرضا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، جزء من تذوق معنى الإيمان نفسه .

ثم يفتح القرآن للسعادة أفقا أبعد من الحياة الدنيا ، فيقول:

" وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ " هود ١٠٨ .


*وهكذا لا تبدو السعادة في التصور القرآني مجرد (حالة مزاجية عابرة) ، وإنما تمتد من جودة الحياة في الدنيا إلى المصير الأخروي .


                 *(خلاصة )

هكذا يمكننا أعزائي القراء أن نستأنس بالسياق القرآني في النظر إلى السعادة من خلال خمسة محاور مترابطة :

١.الأمن يحمي الإنسان ،

٢.والعافية تمكنه ،

٣.والكفاية تسنده ،

٤.والرضا يحفظ توازنه الداخلي ،

ه.والإيمان يمنح حياته الهداية والمعنى .


*وهذه المحاور القرآنية الخمسة تمثل إطارا يساعدنا على النظر إلى السعادة الإنسانية بصورة أكثر تكاملا وتوازنا .


شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً