تخطي للذهاب إلى المحتوى

سكة السلامة

9 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم د. عبير سعد

ما المحتوى الذي تكرر مشاركته؟ وما الأثر الذي يتركه هذا التكرار في وعينا ووعي أبنائنا؟
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من البيئة التي يتشكل داخلها وعي الإنسان، وتتكوّن فيها نظرته إلى المجتمع والناس والحياة.

وسائل التواصل تعمل في بيئة تنافسية على جذب الانتباه؛ ولذلك تميل الموضوعات الصادمة والمثيرة إلى الحصول على تفاعل كبير.

لكن ارتفاع التفاعل لا يعني بالضرورة ارتفاع القيمة.
فقد يحصد مشهد مؤلم آلاف المشاركات، بينما يمر موقف إنساني نبيل بصمت.
فتجد تداولًا واسعًا لأخبار الجرائم البشعة، وحالات القتل، والعنف الأسري، والخلافات الزوجية، وعقوق الوالدين، والانحرافات الأخلاقية، وغالبًا ما تحظى هذه الوقائع بمعدلات مرتفعة من المشاهدة والتعليق والمشاركة.

ولا شك أن الإخبار عن الجريمة قد يكون مشروعًا ونافعًا حين يحقق مصلحة حقيقية؛ كالتوعية، والتحذير، وكشف الخطر، والمطالبة بالحقوق، والوقاية من تكرار الجريمة.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الجريمة من خبر يحذر الناس ليتجنبوا الأذى إلى مادة مثيرة للاستهلاك اليومي، تُعاد صياغتها وتفاصيلها وصورها ومقاطعها مرات متكررة، حتى يصبح الألم الإنساني مادة للفضول والمشاهدة وجمع التفاعلات.

وهنا نحتاج إلى وقفة.
هناك فرق كبير بين أن نقول:
"احذروا من هذا السلوك، وهذه آثاره، وهذه وسائل الوقاية منه."
وبين:
أن نقدم الجريمة في عشرات المنشورات، وننشر تفاصيلها المثيرة، وصورها، ومقاطعها، وحوارات أطرافها، ونفتح أبواب التكهنات حولها، ثم نعيد تداولها كلما ارتفع التفاعل معها.

الأول يمكن أن يكون توعية.
أما الثاني فقد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى إعادة إنتاج للمشهد ونشر له على نطاق أوسع.

وهنا تقع مسؤولية فردية ومجتمعية:
أن نتعلم ألا نمنح التفاعل دائمًا لما يثير أسوأ ما في فضولنا، بل أن نمنحه لما يعزز أفضل ما في إنسانيتنا.

إن النشر المسؤول يمكن أن يسهم في الحد من انتشار الجريمة، بينما قد يؤدي النشر غير المسؤول إلى أضرار اجتماعية ونفسية، بل وإلى احتمال محاكاة بعض السلوكيات الإجرامية.

ولهذا فليس كل ما يجذب الانتباه يستحق أن نمنحه مزيدًا من الانتشار.

والمنهج الإسلامي لا يدعو إلى صناعة مجتمع يتغذى على أخبار السوء
جاء القرآن محذرًا من محبة إشاعة الفاحشة بين المؤمنين:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].

والآية لا تعني أن كل إخبار عن جريمة هو من إشاعة الفاحشة؛ فهناك أخبار تُنشر لمصلحة معتبرة، كالتوعية والتحذير وإقامة الحقوق.
لكنها تضع أمام المؤمن مبدأ بالغ الأهمية: ألا يكون شيوع القبح هدفًا في ذاته، وألا تتحول المعصية إلى مادة يُستمتع بتداولها وتفاصيلها.
وجاء النبي ﷺ محذرًا من المجاهرة بالمعصية وإظهار ما ستره الله، فقال:
«كل أمتي معافى إلا المجاهرين».
وهذا من هدي الشريعة في صيانة المجتمع من تحويل الخطأ إلى أمر مألوف أو مشاع على سبيل التفاخر أو الاستعراض.
وانتبه جيدا:
فالدعوة إلى عدم إشاعة الفاحشة أو عدم تداول التفاصيل المثيرة لا تعني إخفاء الجرائم، ولا تعطيل العدالة، ولا إسكات الضحايا، ولا منع التحذير من الأخطار.
إنما تعني أن يكون تناول الجريمة بهدف الوقاية والإصلاح وحماية المجتمع، لا الإثارة والفضول وجمع المشاهدات.

فالوعي الرشيد لا يقول:
"لا تتحدثوا عن الجريمة."
بل يقول:
"تحدثوا عنها بالقدر الذي يحمي الناس منها، لا بالقدر الذي يجعلها أكثر حضورًا في حياتهم."

وربما يكون السؤال الأهم هنا:
ماذا لو غيّرنا ما نمنحه مساحة الظهور؟
إذا كنا نعرف أن ما يتكرر أمام أعين الناس يلفت انتباههم ويصبح جزءًا من حديثهم اليومي، فلماذا لا نمنح مساحة أكبر لما نريد أن نراه في مجتمعنا؟
لماذا لا نتحدث أكثر عن:
الابن الذي يبر والديه دون أن يطلب منه أحد ذلك؟
الأب الذي يحتضن أبناءه ويعلمهم المسؤولية؟
الأم التي تربي أبناءها على الرحمة والصدق؟
الزوجة التي تحفظ زوجها في غيابه كما تحفظه في حضوره؟
الشاب الذي يرفض طريقًا سهلًا للمال لأنه يعرف أنه حرام؟
الفتاة التي تحافظ على كرامتها رغم ضغط المحيط؟
الجيران الذين يتعاونون في وقت الشدة؟
المعلم الذي يترك أثرًا طيبًا في حياة طلابه؟
والإنسان الذي يستطيع أن يرد اعتباره دون أن يتحول إلى نسخة ممن أساء إليه؟

هذه ليست أخبارًا هامشية.
هذه هي الأخبار التي تصنع الصورة التي نريد أن يراها أبناؤنا عن مجتمعهم.

نحن لا نستطيع أن نزعم أن نشر النماذج الإيجابية وحده سيقضي على الانحراف، لكننا نستطيع أن نشارك في تشكيل البيئة الرمزية والأخلاقية التي ينشأ فيها أبناؤنا.
فالرسالة التي تتكرر أمام الطفل والشاب لا تقول له فقط: هذا ما يحدث في العالم.

بل قد تقول له أيضًا، بصورة غير مباشرة:
هذا ما يستحق انتباهك.

فلنُكثر من تداول ما نريد أن يكبر فينا
لسنا مطالبين بأن نتجاهل الجريمة أو نتظاهر بأن المجتمع خالٍ من المشكلات.

بل نحن مطالبون بأن نكون أكثر وعيًا في طريقة تناولها.
إذا كان هناك خطر، فلنحذر منه.
وإذا كانت هناك جريمة، فلنأخذ منها درسًا.
وإذا كان هناك ضحية، فلنحفظ كرامتها.
وإذا كان هناك خطأ، فلنبحث عن أسبابه وسبل الوقاية منه.
لكن، في المقابل، لا تجعلوا القبح هو أكثر ما يراه الناس، ثم نتساءل لماذا أصبح القبح حاضرًا في وعيهم.

انشروا الصدق.
انشروا الأمانة.
انشروا الرحمة.
انشروا بر الوالدين.
انشروا حسن العشرة.
انشروا المسؤولية.
انشروا النماذج المشرفة.
انشروا القصص التي تذكّر الإنسان أن الخير ما زال موجودًا، وأن الأخلاق ليست مثالية بعيدة عن الواقع، بل سلوك يمكن أن يعيشه الإنسان كل يوم.

فكما أن المجتمع يحتاج إلى التحذير من السلوكيات التي تهدمه، فإنه يحتاج بالقدر نفسه إلى رؤية النماذج التي تبني الإنسان والأسرة والمجتمع.
وربما كان من أجمل ما نستطيع فعله على هذه المنصات أن نسأل أنفسنا قبل أن نضغط زر «مشاركة»:

هل ما أنشره يزيد وعي الناس؟
أم يزيد فضولهم؟
هل يحميهم من الخطأ؟
أم يجعل الخطأ أكثر حضورًا في حياتهم؟
هل أساهم في نشر الخوف والقبح؟
أم أساهم في نشر قيمة تستحق أن تكبر؟

فليست القضية فقط:
ماذا نرى على وسائل التواصل؟
بل الأهم:
ماذا نختار أن نجعله حاضرًا في وعي المجتمع؟
وإذا كان تداول القبح قد يزيد حضوره في المشهد، فإن تداول الخير قد يمنحه هو الآخر مساحة من الحضور.

فلنُكثر من نشر ما نريد أن نراه في بيوتنا، وفي أبنائنا، وفي مجتمعنا.
فالمجتمع لا يُبنى فقط بمقاومة ما هو سيئ،

بل أيضًا بإظهار ما هو صالح، وتكريم أصحابه، وجعل الأخلاق الجميلة مرئية وقابلة للاقتداء.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
طائر الألباتروس