د. داليا صلاح - مصر
لا تُسلِم زمام نفسك لمهبّ الرياح، فتتقاذفك أنَّى حلت وكيف شاءت، بل كن ربّان سفينتك الثابت على الجوديّ؛ تقف في تخوم الوسطية شامخ الجبين، فلا تنجرف مع كل تيار نابتٍ أو صياح عابر، ولا توصد الأبواب في وجه كل جديد وافد، فالحياة نهر دفق، ومن تحجر في مكانه غدا ملحًا أجاجًا!
فالمؤمن الحق يتوسط الأمرين باقتدار وبصيرة نافذة؛ لا يُغلق نافذة الفكر أمام إشراقات العصر، بل هو متطلع يقظ، يزن الأمور بميزان الحكمة، يعلم متى يخطو خطوة وثابة نحو معراج المعالي، ومتى ينكفئ بوقار وانسحاب ليحفظ جوهره.
وما الانسحاب إلا فضيلة ودرع حصين إن كان المقام لا يليق بمقام صاحبه، شريطة ألا يفضي هذا الانسحاب إلى عزلة مهلكة تسحق الروح وتغتال الطاقات؛ بل انخرط في الحياة بتعقيداتها وجمالها، تلمّس النور، واكتشف خبايا المعرفة، وابحث عن الحقيقة، وإياك أن ترتدّ إلى سراديب الانغلاق المقيت.
إن الواقف على شفا الطريق، المتردد بين الإقدام والإحجام، لا يُورق نبتُه، ولا يظفر بطائل، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا نجاة، بل يظل أسير التيه والشتات.
إن الواجب الإنساني والديني يحتم علينا السعي الحثيث نحو التقدم والازدهار في مدارج الحياة كافة، على أن تكون هذه المشاركة الفاعلة في مجالات الحياة منضبطة بسياج من الواجب، ومستمسكةً بأصول الشرع والقيم الأصيلة، بحيث لا يذوب الإنسان في تفاهات الزحام ولا ينفصل عن واقعه؛ فديننا الحنيف دين عزة وقوة وبناء، يأمرنا بالسمو والرفعة والفاعلية، وكما جاء في الأثر الحكيم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف».
إن عمارة الأرض لا تتحقق بالتمني، بل بالفكر الواعي، والعمل المثمر، والاتزان الذي يحفظ الهوية ويستوعب العصر.