تخطي للذهاب إلى المحتوى

على عين النية

26 أغسطس 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

د. عبير سعد - مصر

على عين النية
يبدأ الإنسان رحلته في هذه الدنيا بصرخة؛
صرخة إعلان بداية حياة جديدة، وولادة نفس ستُحاسب.

وفي هذا المشهد المهيب، يخبرنا الصادق المصدوق ﷺ عن حقيقة المعركة الإيمانية والتربوية التي تبدأ منذ اللحظة الأولى، حيث يقول رسول الله ﷺ: «ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، إلا مريم وابنها».

إن هذا الاستثناء النبوي العظيم يفتح أمامنا بابًا عميقًا للتدبر في أثر النية والدعاء والتربية التي تمتد جذورها إلى ما قبل الميلاد؛ نية صادقة توجهت إلى الله قبل أن تبدأ رحلة الإنسان في الأرض.

وإذا تدبرنا قصة مريم عليها السلام، وجدنا جذورًا عميقة لهذا المعنى ممتدة في أعماق المحراب، حيث وقفت أم مريم (امرأة عمران) وعينها على الأثر والامتداد، فصاغت نيتها في أبلغ بيان حكاه القرآن: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾.

لقد كانت نيتها في الإنجاب واضحة: أن يكون ما في بطنها محررًا لله، مهيأً لعبادته وخدمة دينه. ولم تقف عند حدود النية، بل لجأت إلى الله بالدعاء، تستعيذ به لها ولذريتها من الشيطان، قائلة: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.

فجاء الجواب الرباني في مشهد يفتح لكل مربٍّ بابًا عظيمًا للتفكر: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾. إن النبات الحسن يخرج من أرض نيةٍ طُهّرت بالذكر والإخلاص.

والتربية لا تبدأ من غرفة الصغير، بل من اختيار من سيشاركه السير في هذا الطريق. وقد وضع المنهج النبوي معيارًا حاسمًا لاختيار شريك الحياة؛ معيارًا ينظر إلى المستقبل والأجيال.

فقال ﷺ في اختيار الزوجة: «تُنكح المرأة لأربع... فاظفر بذات الدين تربت يداك». وقال في اختيار الزوج: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».
هذا الاختيار ليس مجرد توافق اجتماعي، بل هو تأسيس لـ«المحضن التربوي الأول».
فالنية في الزواج والإنجاب في الإسلام ليست مجرد غريزة بشرية للامتداد، بل رغبة في إعمار الأرض بعباد صالحين.

إن طريق التربية طويل، ومحفوف بالجهد والتعب، ولا يمكن لمربٍّ أن ينجح فيه معتمدًا على ذكائه أو كتب التربية وحدها، بل بالتبرؤ من الحول والقوة، والاستمداد من معية الله سبحانه بالذكر والدعاء.


شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً