تخطي للذهاب إلى المحتوى

"مملكة الزائفين"

6 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

شيماء محمد - مصر

أضواء زرقاء باهته تنعكس على وجهه ذلك الشخص المجهول  المتواجد في تلك الغرفة المعتمه كأنما يضيء مشرحةً أقامها لدفن عيوبه لا ليعالج بها أحداً؟ بل ليتجسد فى هوية لا يملكها.
على صفحته الافتراضية، يقف ذلك الكائن المجهول مرتدياً عباءة الحكيم العارف. هو لا يكتب حرفاً واحداً من تفكيرة أو معرفته، بل لقد أعتاد على سرقة النصوص؛ يدخل إلى المواقع المظلمة، يقتنص مقالاً أجنبياً أو فقرة منسية، ثم يعود ليُجري عليها تعديلاتٍ  قبل أن يلصقها على جدرانه وكأنها ومضات من إشراق روحه.

تراه يكتب في محاضراتٍ نظرية طويلة عن "سيكولوجية النرجسية" ويحلل بدقة متناهية "عقد الطفولة ومشاكل التعلق" بل ويدعي قدرته على تفكيك العقد النفسية للمتابعين وكأنه طبيب نفسي . وحدها دقات قلبه المرتجفة في الخفاء تعرف كم هو خاوٍ وعاجز من الداخل.

لم يكن يوماً باحثاً عن حقيقة ولا هائماً في فضاء المعرفة، بل كان لصاً صغيراً سارق للكلمات كل ما يعنيه هو ذلك الوهج الزائف وأن يرى الأضواء تلتف حول اسمه والقلوب الحمراء تتهافت على كلماته المسروقة، والتعليقات تنهمر منبهرة بذكائه الاستثنائي.
إنه يتنفس التصفيق والتملق الكاذب ويموت رعباً من أن يجرؤ أحدهم يوماً على سؤاله: "أخبرني.. أين عشت كل هذا لتكتبه؟".

وحين يرتكب أحدهم خطيئة "المواجهة"، ويأتيه نقدٍ بهدوء ليكشف زيف ما يدعي حينها ينقلب ذلك الحكيم الهادئ إلى وحشٍ مذعور.
لن يلجي إلي حوار ولا حتى مناقشة هادئة بل يهرع بلا تردد ليحظر كل صوت يهدد وهمه متحصناً خلف جدران حظرٍ سميكة.

بعضهم يتقن ارتداء ثوب الملائكة بمهارة فائقة، وحين تقترب بما يكفي لتشم رائحه الحقيقة، لا تكتشف سوى أشباحٍ تتخفى خلف شاشات لامعة، تُهدي العالم وعظاً لا تملكه، وتبيعنا دواءً وهي أشد ما تكون مرضاً.

تلك الشاشات اللامعة لا تكشف سوى ما يرغب أصحابها في إظهاره ما يريدون متصنعين ما لا يملكون، لكن الأيام وحدها كفيلة بغربلة ذلك الزيف. مهما أجادو أبطال الوهم حبكة أدوارهم جيداً ومهما تحدثوا بالحكم المسروقة، تبقى الروح عارية لا يسترها إلا الزيف. وحين تنطفئ الأنوار الواقعية وتتوارى ويقل وميض الإعجاب الإلكتروني، يظهر الجانب المظلم من تلك النفوس المريضة التى تأثر بالكذب على العقول  ولا يتبقى من غبار تلك الممثلين إلا الحقيقة  الماثلة في عتمة تلك الغرفة .

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
كيف تجرؤ؟