د. محمد سيف - مصر
نخوض معاركنا مع الفشل، ومع الخوف، ومع الفقر، ومع نظرة الآخرين إلينا. نحارب من أجل النجاح، ومن أجل المال، ومن أجل المكانة، ومن أجل أن نثبت لأنفسنا وللآخرين أننا نستطيع.
نستيقظ كل صباح ولدينا معركة جديدة.
نقول لأنفسنا: عندما أنجح سأرتاح.
وعندما أحقق ما أريد سأطمئن.
وعندما أصل إلى المكان الذي أحلم به سأعيش أخيرًا في سلام.
فنركض… ونركض… ونركض.
ثم نصل.
فنكتشف أن هناك معركة أخرى تنتظرنا.
راتب أكبر نريد الوصول إليه، ومنصب أعلى نخشى فقدانه، وعلاقة نخشى انتهائها، وأشخاص نريد إثبات أنفسنا أمامهم، ومستقبل نقلق بشأنه، وماضٍ لا يزال يطاردنا.
وفجأة نسأل أنفسنا:
أين السلام الذي كنت أبحث عنه طوال هذه السنوات؟
ربما المشكلة أننا تعاملنا مع السلام النفسي باعتباره جائزة تنتظرنا في نهاية الطريق، بينما قد يكون السلام في الحقيقة طريقة نسير بها في الطريق نفسه.
نحن نؤجل الحياة كثيرًا.
نؤجل فرحتنا إلى أن ننجح، ونؤجل راحتنا إلى أن ننتهي من مسؤولياتنا، ونؤجل طمأنينتنا إلى أن نضمن المستقبل، ونؤجل الاستمتاع بالحاضر حتى نصل إلى الصورة التي رسمناها في أذهاننا عن الحياة المثالية.
لكن الحياة لا تنتهي من مطالبها.
كلما حققت شيئًا، ظهر شيء آخر.
وكلما أغلقت بابًا، فُتح أمامك باب جديد.
وكلما تجاوزت مشكلة، ظهرت مشكلة أخرى.
وهذا ليس عيبًا في الحياة بل هذه طبيعتها.
المشكلة أننا ننتظر من حياة متغيرة باستمرار أن تمنحنا لحظة ثابتة من الكمال حتى نشعر بالسلام.
نحن لا نحارب الحياة نحن نحارب خوفنا منها
أحيانًا لا تكون المشكلة في الظروف التي نعيشها، بقدر ما تكون في المعنى الذي نعطيه لهذه الظروف.
نخاف من الفشل، لأننا نعتقد أن الفشل يعني أننا لسنا جيدين بما يكفي.
ونخاف من خسارة المال، لأننا نعتقد أن فقدان المال يعني فقدان الأمان.
ونخاف من رفض الآخرين، لأننا نعتقد أن قيمتنا تتحدد من خلال نظرتهم إلينا.
ونخاف من المستقبل، لأننا نريد أن نعرف مسبقًا ماذا سيحدث.
نريد ضمانات لا تستطيع الحياة أن تمنحها لنا.
ولهذا نعيش في حالة استعداد دائم لمعركة لم تبدأ بعد.
نستيقظ ونفكر في مشكلة الغد.
ونجلس مع أهلنا ونفكر في العمل.
ونعمل ونفكر في المستقبل.
ونصل إلى البيت بأجسادنا، بينما تظل عقولنا في مكان آخر.
ثم نتساءل لماذا فقدنا السلام.
ربما لأننا لم نكن نعيش اللحظة التي نحن فيها أصلًا.
هناك فرق بين أن تسعى وأن تطارد
ليس المطلوب أن تتوقف عن الطموح.
فالإنسان يحتاج إلى هدف، ويحتاج إلى أن يتطور، وأن يعمل، وأن يحسن مستقبله.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تسعى إلى شيء، وبين أن تجعل سعادتك مشروطة بالوصول إليه.
يمكنك أن تقول:
سأعمل من أجل النجاح، لكنني لن أكره حياتي لأنني لم أنجح بعد.
يمكنك أن تطمح إلى المال، دون أن تجعل قيمتك الإنسانية مرتبطة بحجم حسابك البنكي.
يمكنك أن تبحث عن علاقة جميلة، دون أن تعتقد أن حياتك لن تكون ذات معنى من دونها.
يمكنك أن تسعى إلى منصب أعلى، دون أن تعتبر منصبك الحالي دليلًا على فشلك.
فالطموح شيء جميل، لكن حين يتحول الطموح إلى شرط للسعادة، يتحول الطريق كله إلى معاناة.
كم مرة أفسدنا حاضرنا خوفًا من المستقبل؟
من أكثر الأشياء التي تستنزف الإنسان أنه يعيش أحداثًا لم تقع بعد.
يتخيل المرض قبل أن يحدث.
ويتخيل الخسارة قبل أن تقع.
ويتخيل الفشل قبل أن يبدأ.
ويعيش حوارات كاملة مع أشخاص لم يتحدث معهم أصلًا.
يرد على اتهامات لم توجه إليه.
ويحزن على أشياء لم يخسرها.
ويخاف من أبواب لم تُغلق بعد.
وهكذا قد يقضي الإنسان جزءًا كبيرًا من حياته في معاناة أشياء موجودة في خياله أكثر مما هي موجودة في الواقع.
المستقبل يحتاج إلى تخطيط، نعم.
لكن التخطيط شيء، والقلق المستمر شيء آخر.
أن تستعد للغد أمر صحي.
أما أن تعيش اليوم كله خائفًا مما قد يحدث غدًا، فأنت بذلك تدفع ثمن مشكلة لم تقع بعد.