تخطي للذهاب إلى المحتوى

هل نخاف من الآلة... أم من أنفسنا؟

22 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم/ سامح علي | كاتب روائي مصري

هل نخاف من الآلة... أم من أنفسنا؟
منذ أيام شاهدت فيلم The Creator، للمخرج جاريث إدواردز. هناك أفلام تنتهي بانتهاء المشاهدة، وأفلام أخرى تظل عالقة في الرأس لأن السؤال الذي طرحته لم ينته مع آخر مشهد.
فيلم  The Creator في ظاهره ينتمي إلى النوع الثاني ، نحن أمام فيلم خيال علمي تدور أحداثه في مستقبل تخوض فيه البشرية حربا ضد الذكاء الاصطناعي، بعد كارثة نووية نسبت إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي. الولايات المتحدة تحظر هذه التكنولوجيا، بينما تعيش مجتمعات في آسيا مع الروبوتات والكيانات الاصطناعية باعتبارها جزءا من حياتها. وفي قلب الحرب يظهر سلاح غامض قادر على تغيير مصير الصراع. لكن الفيلم في الحقيقة لا يهتم كثيرا بالسؤال الذي اعتدنا أن نسمعه:هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على الإنسان؟ إنه يذهب إلى سؤال أكثر إزعاجا:
ماذا لو كان الشيء الذي نخاف منه أكثر إنسانية منا نحن البشر ؟ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فمنذ سنوات طويلة، قدمت لنا السينما الآلات الذكية باعتبارها عدوا قادما من المستقبل. آلة تفكر ثم تتمرد ثم تقرر أن الإنسان هو المشكلة التي يجب التخلص منها. أما The Creator فيحاول قلب المعادلة، الآلة هنا لا تظهر دائما باعتبارها وحشا. فبعض الآلات تحب، وبعضها يحزن، وبعضها يخاف، وبعضها يموت وهو يحاول حماية إنسان. وفي المقابل يصبح الإنسان قادرا على قتل كائن آخر لمجرد أنه لا يشبهه.
وهنا لا يعود السؤال: من الإنسان ومن الآلة؟، و لكن يصبح: من منا فقد إنسانيته أولا؟
هذه واحدة من أكثر أفكار الفيلم إثارة للاهتمام. فالإنسان غالبا لا يخاف مما يعرفه، وإنما يخاف مما لا يستطيع فهمه. وعندما يعجز عن فهم الآخر يبدأ في اختصاره. لا يعود الآخر شخصا و إنما يصبح "خطرا". ولا يعود له اسم، بل يصبح "عدوا". ولا يعود له حق في الحياة، لأن الخوف منه أصبح مبررا كافيا لإلغاء إنسانيته. وهذه الفكرة ليست جديدة في تاريخ البشر.
الجديد فقط أن الفيلم يضعها أمامنا في صورة مختلفة. يجعل "الآخر" هذه المرة آلة. ثم يطلب منا أن ننظر في عينيها.
أكثر ما أعجبني في الفيلم أن الذكاء الاصطناعي لم يقدم باعتباره مسألة تقنية فقط.
الفيلم لا يسألنا عن سرعة المعالج، ولا عن مقدار البيانات التي تستطيع الآلة تحليلها، ولا عن قدرتها على اتخاذ القرار. إنه يسأل سؤالا أقدم من التكنولوجيا نفسها: هل الوعي وحده يكفي لكي يصبح الكائن جديرا بالحياة؟
وإذا كان الجواب نعم، فماذا نفعل عندما نكتشف أن الوعي لم يعد حكرا علينا؟
وإذا كان الجواب لا، فما الذي يجعل الإنسان مختلفا؟ هل هو الجسد ،أم العقل، أم أنها الذاكرة و المشاعر و القدرة علي الحب.
وإذا استطاعت الآلة أن تمتلك كل ذلك، فهل يظل الفرق بينها وبين الإنسان مجرد حقيقة بيولوجية؟ أوأننا سنضطر يوما إلى إعادة تعريف كلمة "إنسان" نفسها.
فالشخصية الصغيرة في الفيلم Alphie، هي المفتاح الحقيقي لهذه الأسئلة. فهي لا تبدو في البداية كسلاح. تبدو كطفلة. وهذا الاختيار ليس بريئا. لأن الإنسان عندما يرى آلة على هيئة سلاح يكون من السهل عليه أن يخاف منها. لكن عندما يرى طفلا تتغير المسألة كلها.
الوجه نفسه الذي يمكن أن نراه تهديدا إذا ظهر خلف معدن وبنادق، قد يتحول إلى شيء نريد حمايته عندما نراه بعينين طفلتين.
وهنا يضع الفيلم إصبعه على نقطة شديدة الحساسية: هل أخلاقنا ثابتة، أم أنها تتغير بحسب شكل الشيء الذي أمامنا؟
هل نرفض العنف لأننا نؤمن بأنه خطأ؟ أم أننا نرفضه فقط عندما يقع على شخص نستطيع أن نراه ونشعر به ونشبهه؟
والأجمل أن الفيلم لا يجعل الإنسان بريئا تماما ولا الآلة شريرة تماما.فهناك خوف. وهناك حرب. وهناك فقد. وهناك قرارات يتخذها البشر باسم حماية البشر.
وهنا يصبح الخطر الحقيقي ليس في أن تمتلك الآلة ذكاء الإنسان، وإنما في أن يستخدم الإنسان ذكاءه لتبرير كل ما يريد فعله. فالتكنولوجيا لا تحمل وحدها الخير أو الشر. الذي يمنحها اتجاهها هو الإنسان.
وهذا ما أشار إليه عدد من القراءات النقدية للفيلم: أن الصراع فيه يعمل أيضا كحكاية عن الخوف من "الآخر" وعن التعاطف والقبول، أكثر مما يعمل كتحذير تقني مباشر من الذكاء الاصطناعي.
لكن الفيلم، في المقابل، ليس كاملا. أحيانا تشعر أن الفكرة أكبر من السيناريو.وأن العالم الذي بناه المخرج أكثر ثراء من الشخصيات التي تتحرك داخله.
وقد رأى بعض النقاد أن الفيلم يملك صورة بصرية مذهلة وعالما مستقبليا مقنعا، لكنه لا يمنح بعض أفكاره والشخصيات العمق الكافي، بينما رأى آخرون أن هذا العالم نفسه من أبرز نقاط قوته. وهذا التناقض ربما يفسر طبيعة الفيلم. إنه فيلم كبير في أسئلته. وأحيانا أقل من حجم أسئلته في إجاباته. لكن ربما هذه ليست مشكلة دائما. فبعض الأفلام لا تأتي لكي تمنحك الإجابة. تأتي لكي تفسد عليك الإجابة التي كنت تظن أنك تعرفها.
وأثناء مشاهدة الفيلم، ظل سؤال واحد يعود إلي: ماذا لو استطعنا يوما أن نصنع شيئا يفكر مثلنا، ويشعر مثلنا، ويتألم مثلنا، ويحب مثلنا؟
هل سنمنحه اسما؟ أم سنمنحه حقوقا؟ أم سنمنحه حرية؟ أم سنظل نسميه "آلة" حتى لا نشعر بالذنب تجاه ما نفعله به؟
ربما المشكلة ليست في اليوم الذي يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شبيها بالإنسان. ربما المشكلة ستكون في اليوم الذي يصبح فيه الإنسان عاجزا عن رؤية إنسانيته في شيء آخر لأنه لا يشبهه.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي إنسانا؟
ربما السؤال الأصعب هو: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على أن يفهم معنى الرحمة، فهل سنظل نحن قادرين على فهم معناها؟
فالآلة قد تتعلم كيف تفكر. وقد تتعلم كيف تتكلم. وقد تتعلم كيف تصنع الفن، وتكتب، وتحلل، وتقرر.
لكن الإنسان لديه شيء آخر كان يفترض أن يكون أكثر من مجرد قدرة: أن يعرف متى يتوقف. أن يرى الكائن الآخر، مهما كان مختلفا عنه، باعتباره حياة لا مجرد شيء.
وربما لهذا لا يخبرنا The Creator عن مستقبل الآلات بقدر ما يخبرنا عن مستقبل الإنسان.

فأحيانا لا تكشف التكنولوجيا ما ستصبح عليه الآلات... و إنما تكشف لنا ما أصبحنا عليه نحن.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً