بقلم/ سناجقي محمد بدرادين. الجزائر
صناعة الشهرة على مواقع التواصل الاجتماعي: حلم يلمع... ووهم قد ينهك
لم تعد الشهرة تحتاج إلى شاشة تلفزيون، ولا إلى صحيفة تنشر صورتك، ولا إلى جمهور ينتظر ظهورك في مكان ما. اليوم، يكفي هاتف صغير واتصال بالإنترنت حتى يستطيع الإنسان أن يصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص.
وهكذا أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى كثير من الشباب بابًا مفتوحًا نحو الشهرة.
شاب يصور يومياته، فتاة تعرض موهبتها، شخص يقدم محتوى تعليميًا، وآخر يشارك مواقف طريفة من حياته. يبدأ الأمر أحيانًا بهواية بسيطة، ثم يأتي عدد أكبر من المتابعين، وتتزايد المشاهدات والإعجابات، وفجأة يجد صاحب الحساب نفسه معروفًا لدى أشخاص لم يلتق بهم في حياته.
هنا يبدأ الحلم.
يحلم صاحب المحتوى بأن يصبح مشهورًا، وأن تتحول شهرته إلى مصدر دخل، وأن تفتح له أبوابًا جديدة. وهذا الحلم ليس وهمًا بالضرورة؛ فقد أصبحت صناعة المحتوى مجالًا حقيقيًا يعمل فيه كثير من الناس، ويستفيدون من مواهبهم وأفكارهم ومهاراتهم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهرة هي الهدف الوحيد.
عندها قد يتحول الإنسان من شخص يريد أن يقدم شيئًا إلى شخص يريد فقط أن يلفت الانتباه.
يبدأ في مراقبة الأرقام باستمرار: كم شخصًا شاهد؟ كم شخصًا أعجب؟ لماذا انخفضت المشاهدات؟ لماذا نجح الآخرون أكثر مني؟
وهنا يصبح الرقم أقوى من الإنسان.
قد يستيقظ شخص سعيدًا لأن مقطعه انتشر، ثم يشعر بالإحباط في اليوم التالي لأن منشورًا جديدًا لم يحقق النتيجة نفسها. شيئًا فشيئًا، تصبح قيمته في نظر نفسه مرتبطة بتفاعل الآخرين معه.
والأخطر أن مواقع التواصل لا تعرض الحياة كاملة.
نحن نرى الصورة الجميلة، ولا نرى دائمًا التعب الذي سبقها. نرى الابتسامة، ولا نرى القلق خلفها. نرى النجاح، ولا نرى سنوات المحاولة. نرى المال والسفر والمظاهر، لكننا لا نعرف دائمًا حقيقة الظروف التي تقف خلف تلك الصورة.
ولهذا قد يقع بعض الناس في فخ المقارنة.
ينظر الشاب إلى شخص مشهور فيقول: "لماذا حياته أفضل من حياتي؟"
وقد تنظر فتاة إلى مؤثرة على مواقع التواصل فتشعر أن شكلها أو حياتها أقل قيمة.
لكن الحقيقة أن الإنسان يقارن حياته الكاملة بما يعرضه الآخرون في أفضل لحظاتهم.
ومن جهة أخرى، أصبحت المنافسة على جذب الانتباه تدفع بعض صناع المحتوى إلى البحث عن كل ما هو مثير للجدل أو صادم أو غريب. فالمحتوى الهادئ قد يحتاج وقتًا حتى يصل إلى الناس، بينما قد تنتشر لقطة مثيرة في ساعات قليلة.
وهكذا يتحول السؤال من:
"ماذا أريد أن أقدم للناس؟"
إلى:
"ماذا يجب أن أفعل حتى لا يتوقف الناس عن مشاهدتي؟"
وهنا يصبح الإنسان أسيرًا للشهرة بدل أن تكون الشهرة وسيلة في يده.
لكن ليس كل من يعمل في مواقع التواصل يعيش هذه الصورة.
هناك أشخاص صنعوا لأنفسهم مكانًا حقيقيًا بفضل العلم، والفن، والرياضة، والتعليم، والحرف، والكتابة، والمبادرات الاجتماعية. استطاعوا أن يحولوا حضورهم الرقمي إلى فرصة للتعلم والعمل والتواصل.
الفرق ليس في وجود الشهرة، وإنما في ما الذي نفعله بها، وما الذي تفعله بنا.
فإذا كانت الشهرة نتيجة لموهبة حقيقية وعمل مستمر، فقد تكون فرصة جميلة.
أما إذا أصبحت غاية تدفع الإنسان إلى التخلي عن خصوصيته، أو قيمه، أو راحته، أو احترامه للآخرين، فقد تتحول من حلم جميل إلى عبء ثقيل.
ولعل السؤال الذي يجب أن يطرحه كل شخص يسعى إلى الشهرة ليس: كم عدد الأشخاص الذين يعرفونني؟
بل:
ماذا سيبقى مني إذا اختفت الأرقام؟
فقد تختفي المشاهدات، وتتراجع الإعجابات، ويتغير الجمهور، وتظهر وجوه جديدة. لكن الموهبة الحقيقية، والمعرفة، والأخلاق، والعمل الجاد، تبقى أشياء لا تحتاج إلى زر "إعجاب" حتى تكون لها قيمة.
في النهاية، الشهرة على مواقع التواصل يمكن أن تكون حلمًا حقيقيًا إذا بُنيت على موهبة وفكرة وعمل، ويمكن أن تصبح وهمًا متعبًا عندما يتحول الإنسان إلى صورة يحاول باستمرار أن يرضي بها الآخرين.
وراء كل شاشة حكاية لا نعرفها، ووراء كل عدد من المتابعين إنسان له نقاط قوة وضعف، ووراء كل ابتسامة منشورة حياة كاملة لا تظهر في الصورة.
لذلك، ربما لا يكون النجاح الحقيقي أن يعرفك الجميع...
بل أن تعرف أنت من تكون، حتى عندما لا ينظر إليك أحد.