تخطي للذهاب إلى المحتوى

البيوت العامرة

15 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم د : عبير سعد


البيوت العامرة.. بين تمام الحقوق وفقه الأدوار

بين طموح المرأة المعاصر ومسؤولية الرجل المادية.. هل تحولت بيوتنا من واحات طمأنينة إلى ساحات ندية ومقارنات زائفة؟

تستقيم سفينة الحياة الزوجية وتزدهر الأسر حين يعي كل طرف ما عليه من واجبات وما له من حقوق؛ فالزوجة سكن وموطن احتواء، والزوج أمان وسند وقوامة.

يقول الله تعالى في محكم تنزيله واصفاً العلاقة الزوجية:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

هذا السكن النفسي يمثل الملاذ الدافئ الذي يجد فيه الزوج راحته وسكينته بعد عناء السعي وكبد الحياة الخارجية، وحين تُسخّر الزوجة فطرتها وذكاءها العاطفي في الإنصات والاحتواء، فإنها تمنح أبناءها وشريكها بيئة سوية تنبض بالدفء والاستقرار، تماماً كما يفيض الزوج بدوره من أمانه النفسي ودعمه لزوجته؛ فالسكن طاقة تبادلية لا تنقطع.
يقول الله تعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ}
فالقوامة في الإسلام هي تكليف بالرعاية والمسؤولية، وليست تشريفاً أو استبداداً.

وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم فقه الأدوار ووضح هذه المسؤولية لكل من الزوج والزوجة في أبهى صورة حين قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
"كُلُّكُم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه؛ ... والرَّجُلُ في أهلِه راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والمَرأةُ في بَيتِ زَوجِها راعيةٌ وهي مَسؤولةٌ عن رَعيَّتِها..."،

وحين يتحمل الزوج مسؤوليته المادية والمعنوية، ويحمل همّ أهله ويوفر لهم الحماية، يشعر البيت بالأمان الذي يُعد الحاجة النفسية الأساسية التي لا تقوم الحياة إلا بها.

وتكمن الكارثة الحقيقية وتصدع البيوت المعاصرة في الإهمال والتفريط الاختياري في هذه الأدوار؛

فعندما يتخلى الرجل عن مسؤوليته عمداً وتهاوناً، تضطر الزوجة مجبرةً إلى ارتياد ميدان "السند والأمان المادي" بمفردها، وهنا تتصدع أركان البناء؛ إذ تُستنزف طاقتها العاطفية والنفسية.

ومثله تماماً حين تقع المرأة في فخ المادية الجافة أو السعي الاستهلاكي خلف الشهرة والوجاهة الافتراضية تحت مسمى "تحقيق الذات المشوه"، فيصير السكن مهجوراً بارداً خالياً من العاطفة، بدلاً من أن يكون طموحها وسيلة لبناء ذاتها ونفع أسرتها ومجتمعها في إطار متزن ولطيف.

إن هذا الإهمال الطوعي من الطرفين وتضييع الأمانة ليس مجرد تقصير عابر، بل هو هدم لأركان البيت المسلم من أساسه.

أما التحديات المعاصرة التي تعصف بكيان الأسرة —من طغيان الماديات والأزمات الاقتصادية العالمية— فإنها تفرض على الشريكين وعياً يتجاوز مجرد سرد الحقوق الجامدة إلى فقه المعايشة والتكامل المرن.

وهنا يجب التفريق والإنصاف؛ فخروج المرأة المتوازن لميادين العمل لدرء صدع استنزاف الماديات و مساندة زوجها الذي أضعفت الظروف الاقتصادية حيلته رغماً عنه، هو تجسيد لأسْمى معاني المودة والرحمة بينهما.

في هذه الحالة، يتحول خروج المرأة من خانة "الاضطرار الموحش" أو "الندية" إلى خانة "الجهاد الأسري المشترك"، حيث يتشارك الزوجان أعباء الحياة وتفاصيل البناء المنزلي، بشكل عملي متوازن لا يجور على الدور الرئيسي لكل منهما، ويتضمن التعاون في الأعباء اللوجستية داخل البيت، وبما يضمن ألا تذوي عاطفتها الرؤوم، ودون أن تفقد قوامة الرجل أدبها وهيبتها.

ولأن البيوت امتداد لغراس قديمة، فإن إصلاح أركانها يبدأ من تجفيف منابع الجهل الموروث، وإعادة تأهيل المقتربين من عتبات الزواج عبر دورات تأهيلية إلزامية وجلسات مصارحة واقعية تفكك الأوهام قبل العقد؛

ليفهموا أن البيوت تُبنى على الصبر والتغاضي والمؤازرة الإجرائية في أوقات الشدة, لا على التنافس والندية، ولا على المقارنات الخادعة التي تبثها شاشات العالم الافتراضي.

إن إغلاق منافذ المقارنات المدمرة بوعي، وعزل الأسرة عن بريق العوالم الزائفة، مع وضع خطط أسبوعية مشتركة لإدارة الوقت والجهد، هو الخطوة الأولى لاستعادة بركة الواقع ودفق المشاعر الحقيقية؛

فمتى استيقظ في النفوس وعي الأمانة، وترافق الودّ مع المسؤولية العملية وتقدير الظروف، أشرقت شمس الطمأنينة في أرجاء البيوت، وغدت واحاتٍ من أمان في صحراء الحياة الصاخبة.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
خلف الكواليس