تخطي للذهاب إلى المحتوى

أذن واعية خير من ألسن لاغية

10 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم د : محمود شعبان

(الجميع يتكلم .. فمن الذى يستمع ؟!!!)
فى زمن أصبح الجميع يريد أن يتكلم ، وندر فيه من ينصت أو يسمع ، حيث كثر المتكلمون والمتحدثون وقل المستمعون الواعون وقل العاملون ، فصار أغلب الناس مشغول بكلامه ، ونشر آرائه وأفكاره ، والدفاع عن مواقفه واختاياراته وتحيزاته ، والتدليل على صحة كلامه ومذهبه واتجاهه ، حتى تحولت معظم حواراتنا فى زمننا هذا إلى مايشبه (حوار الطرشان) ،
أصوات عالية وقلوب متعادية ، أصوات مجتمعة وقلوب مفترقة ، كل واحد يحمل رأيا يريد أن يلقيه ، أو فكرة يريد أن يفرضها ، او قصة يريد أن يروجها بحيث يكون هو الوكيل الحصرى لها .
فما أكثر المتكلمين وما أقل المستمعين ،
وما أكثر الكلام وما أقل المواقف والأفعال ، وأصبح الجميع يتكلمون فى نفس واحد ولا أحد يريد أن يستمع !!!
(تكلم الناس حتى ضاع منطقهم
              فصار أبلغهم من كان مستمعا).
فلو كانوا يعلمون ..لعرفوا أن ليس الفضيلة فى الكلام ، لكن الفضيلة الحقة فى حسن الاستماع الذى ينير العقول والأفهام بمعرفة الحقيقة بأحسن طريقة ، وهذا نهج عقلاء الناس فى كل الأزمان ،
الذين قال الله عنهم فى القرآن:
" الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه،
أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هم أولوا الألباب " الزمر28 .
قرائى الأعزاء...إن أذنا واعية خير من لسان متكلم ، وإن الآذان الواعية أفضل من الألسنة اللاغية ، ولما شغب المنافقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثرة استماعه للناس ولمشاكلهم وهمومهم وآلامهم رفقا بهم ورحمة لهم نزل القرآن يصحح الأفهام وينتصر للنبى علية الصلاة والسلام بقوله تعالى:
"ومنهم من يؤذون النبى ويقولون هو أذن
،قل أذن خير لكم ، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ، ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم"
التوبة61 .
فبين القرآن ضحالة هؤلاء ، وفساد منطقهم عندما أرادوا أن يعيبوه (ص) بما هو أحرى أن يمدحوه به "هو أذن " يسمع أكثر مما يتكلم وكأنه عيب أو نقص ، فجاء الرد المفحم لهؤلاء الأغبياء :"قل أذن خير لكم " أى: إن الإصغاء والاستماع للناس ليس عيبا ولا نقصا ،بل هو عين الفضيلة والحكمة لما فيه بالناس من رحمة وعدالة، بحيث لا نصدر أحكاما عليهم قبل ان نسمع منهم ونفهمهم ، فلو كان هؤلاء يعلمون أن الاستماع الواعى أبلغ من الكلام اللاغى ، وأن الآذان الواعية أبلغ من الألسنة المتكلمة ؛ لما عابوا عليه (ص) ذلك ، ولما قالوا ما قالوا :"هو أذن" ،
فبين الله ضعف فهمهم وفساد منطقهم
"قل أذن خير لكم " .
فكن قارئى الكريم "أذن خير " مقتديا بمن هو خير (ص):" لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة" ، فإن الصمت والاستماع أبلغ فى الفهم وأجلب للحكمة،
فكما قيل:" الاستماع نصف الفهم " .
فليس العيب أن يستمع المرء أكثر مما يتكلم ، لكن العيب كل العيب أن يكون كثير الكلام قليل السماع قليل الفهم ، فليس الصمت والاستماع ضعفا فى الشخصية ، بل هما عين العقل والحكمة والروية . 
وفى الحديث يقول (ص):"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" ، وفى الحكم قالوا:
(إذا تم العقل نقص الكلام، وزاد الإصغاء واتسعت الأفهام) .
فليست كثرة الكلام دليلا على كثرة العلم والفهم ؛ فقد يكون أكثرهم كلاما أقلهم علما وحكمة وفهما ، وإذا كان المتكلم يكرر ما يعرف فإن المستمع الجيد يزداد باستماعه فهما وعلما ، ولهذا قالوا:
" الصمت باب من أبواب الحكمة " ، وفى
الأمثال الدارجة :" إذا كان الكلام من فضة ، فإن السكوت من ذهب " .
نعم ..،فإن الصمت فى كثير من الأحيان يكون أبلغ من الكلام ، ولله در الذى قال:

"الاستماع الحقيقى من أقوى وسائل التعبير والتأثير " ، بل إن الكلام فى كثير من الأحيان يزرع العداوة ، بينما الاستماع الواعى يزرع المحبة والوئام ، وإذا كان الكلام فى كثير من الاحيان يهدم الثقة ويدمر الجسور ، فإن حسن الاستماع يبنى الثقة ويمد الجسور بين الناس .

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً