بقلم د : علاء أبو شحاتة
ما بين دائرةِ الأسرِ وسفينِ النجاةِ
لن يفهمك إلا اثنانِ، أحدهما مر بحالتك والآخر يحبك جداً.
ولن يستبيحك وينتهك حرماتك حتى الرمقَ الأخيرَ إلا من أحسن قراءتك حينما أمنته على سرك ومنحنه نياطَ قلبك حباًوثقةً وتضحيةً، وظننته ملاذاً وحصناً منعياً ووطناً لا يخون.
أما عمّن مر بحالتك فسيكونُ أكثرَ الناسِ شعوراً بمأساتك وتقديراً لردودِ أفعالك، وفهماً لما آلت إليه حالتك النفسية وما نالها من خرابٍ ودمارٍ وحطامٍ.
وأما الذي يحبك جداً فهو ليس في حاجةٍ لتقعَ في فخِ التبريرِ أو التفسيرِ وسردِ أدلةِ البراءةِ ونفيِ الاتهامِ .
وكم تكونُ محظوظاً لو رزقك اللهُ مَن يجتمع فيه الأمران، شخصٌ نادرُ الوجودِ، والذي إذا تعثرت في حديثك احتضنك بابتسامته الحانيةِ والتي تعنى وصولَ رسالتك وتم استيعابها كما ينبغي أن يكون.
شخصٌ إذا أخطأت سارع لتأمينِ سقوطك من حافةِ الخطأِ اللعينِ بوسائلِ السلامةِ والنجاةِ هامساً في قلبك قبل أذنك محتضنك بعينيه قبل ذراعيه: لا تبرر ولا تعتذر، فأنا أعلمُ مقصدك وأفهمك أكثرَ مما تفهم أنت نفسك الحيرى في عالمٍ لا يحسنُ إلا سوء الظنِّ والتخوينِ.
وماذا عن الصنفِ الثاني؟
كائنٌ امتلأت حُشاشة قلبه استغلالا وطمعاً وجشعاً وأنانيةً، كعالمِ الأرقامِ ليس له نهايةٌ أو حدٌ ترتوي عنده أو تكتفي، كائنٌ يُحسنُ قراءتك لا ليحتويك وإنما ليمعنَ في استغلالك والانتفاعِ من وراءك كلَ الانتفاعِ ، في الوقتِ الذي فشلتَ أنت في قراءته وتفسيره، فتقع أسيراً في دائرته المتداخلةِ، فتراك تتردى في هاويةِ التبريرِ وإرضائه بكلِ ما أوتيت من قوةٍ، فهو يعرفُ تماماً كيف يسلبك إرادتك حين يسحرك بتعاويذ التقصيرِ في حقه، فإذا بك ترى نفسك هذا الوحشَ الأسطوريّ الذي حطّم ضحيته التي لا تجفُ دموعها ليلَ نهارَ.
شخصٌ يجيدُ محاصرتك في زاويةِ التشكيكِ والريبةِ، يكذبُ ويكذبُ ثم يكذبُ حتى يُخيّلُ إليك من سحرهِ أنها حقائقُ ومسلماتٌ تسعى، دائمُ السخريةِ منك، يبالغُ في ردودِ أفعاله ويعتمدُ اللومَ سلاحاً فتاكاً للهجومِ عليك والنيلِ منك، يشعركُ على طولِ المدى بالذنبِ والخيانةِ، يعتمدُ عليك في تلبيةِ رغباته وشهواته، والتي يوهمك أنها واجبٌ عليك لا مناصَ من تحقيقها فوراً وبدون ترددٍ أو سؤالٍ.
فإن كنتَ قد وقعتَ أسيراً للصنفِ الثاني الذي أجهدك وانتهك حماك، فسارع إلى التحرر مهما كانت الخسائرُ والصعوباتُ، وثق على قدرِ ثباتك يكونُ العوضُ من ربِ السماواتِ والأرضِ الذي يسمعُ ويرى، فإذا بك من بعدِ طولِ معاناةٍ وعذابٍ يلوحُ فجرك في الأفقِ وتشرقُ شمسك من جديدٍ، تلك الشمس التي مرت بحالتك وصدقت في حبكِ أشدَ الصدقِ حيثُ ملاذك ووطنك الذي لا يخونُ.