تخطي للذهاب إلى المحتوى

احين يجتمع عبق الحبر مع القهوة

6 أكتوبر 2026 بواسطة
المحررة نور الباسي
لا توجد تعليقات بعد

بقلم : إيمان عبد النبي



«المقهى الثقافي»




في مكان هادئ بسيط، تفوح منه رائحة المشروبات الدافئة، وتختلط معها رائحة الحبر والإبداع، إنه مكان يعج بالزائرين، منهم من أتى كشاعر وأديب، ومنهم من هو متذوق للأدب والشعر، يتسامرون، ويُدار بينهم أحاديث الشعر والأدب، وكأن نقاشاتهم تتم في جامعة عريقة يتخرج منها أعظم الأدباء والكتّاب.

هذا هو «المقهى الثقافي» حيث كان يجمع بين أصالة وعراقة المكان، وبين رواد هذا المكان من الأدباء.


كان المقهى الثقافي قديمًا، بمثابة جامعة للحوارات والنقاشات الأدبية العريقة، مثل مقهى ريش، وهو مقهى تاريخي عريق، وجلس فيه الأديب نجيب محفوظ مع أصدقائه الذين عُرفوا فيما بعد بشلة الحرافيش، وكانت له ندوة أسبوعية يوم الجمعة.

وكان يتردد على المقهى: حافظ إبراهيم، وأمل دنقل، وصلاح جاهين، ويوسف إدريس.


ثم ظهر بعد ذلك مقهى يحمل اسم الحرافيش تخليدًا للكاتب الكبير نجيب محفوظ وروايته وشلة الحرافيش.


لا شك أن المقهى الثقافي كان له دور كبير في نشر الشعر والأدب، وزيادة الوعي والحس الفني الثقافي، حيث كان المقهى بمثابة منتدى أدبي يوميًا ما بين شاعر يُلقي الشعر والأدب على مسامع الحاضرين، وبين كاتب يكتب الشعر من وحي الخيال وسط هذه الأمسيات الرائعة.


السؤال الأهم هنا: لماذا اختفت المقاهي الثقافية من عصرنا الحالي؟


الإجابة على هذا السؤال تكمن في عدة نقاط من أهمها:

أولًا: تغير المفاهيم لدى الجيل الحالي الذي يعتبر الذهاب إلى الكافيه فرصة لخلوة مع الذات وتصفية الذهن، أو مصاحبة أحد الأصدقاء للحوار والنقاش في أمر مهم.


ثانيًا: سهولة التواصل التي وفرتها التكنولوجيا، فأصبح التواصل لا يستغرق سوى دقائق معدودة.


ثالثًا: غلاء الأسعار كالمواصلات، والتكلفة الباهظة التي تفرضها المقاهي اليوم.


رابعًا: غياب الحس الثقافي والأدبي لدى من يمتلكون هذه الأنواع من الكافيهات، فهي تهدف في الأساس للربح السريع.


حلّت اليوم المنتديات والجروبات الثقافية على وسائل التواصل الاجتماعي محل المقهى الثقافي، وهذا تطور جيد نحن مدينون له، وبالرغم من ذلك فإن هذا التطور له عيوب كما له مميزات، ومن مميزاته أن أصبحت سُبل التواصل بين الأدباء والشعراء وكل المهتمين بالأدب أسرع، بل امتد حتى شمل العالم كله.

ومن عيوبه أننا فقدنا التفاعل المباشر بين الأدباء والجمهور، وفقد الإنسان البسيط الاستمتاع بهذا التفاعل المباشر. أصبحت الآن جروبات نقاشية مثمرة لكنها عن بعد دون تفاعل مباشر.


الخلاصة: اختفت المقاهي الثقافية، لكن روح الأدب والثقافة خالدة، وترتقي الأمم بالوعي الثقافي الأدبي.


فمن واجبنا أن نضفي لمسات أدبية تترك بصمة في القلوب والعقول، وننهض بالمقاهي الثقافية في صورتها الحالية، أي بالمنتديات والجروبات التي تنشر الشعر والأدب.

فليكن نشر هذه الجروبات والتفاعل معها هو خيارنا الأول لنرتقي بهذا الجيل ونغرس فيهم حب القراءة وتذوق الأدب، ونسعى لعمل مؤتمرات ثقافية توعوية للشباب.

ونتمنى عودة مبادرة القراءة للجميع، حيث كانت أسعار الكتب في متناول الجميع.

فلنجرب التغيير حتى نصل بهذا الجيل لخلق وعي حقيقي بأهمية الأدب والثقافة، ولعلنا نستنشق عبق الحبر مع عبق فنجان قهوتنا مرة أخرى.


شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
لا تحاول