بقلم د : محمد سيف
في بداية كتاب «فن اللامبالاة»، يستشهد مارك مانسون بفكرة للكاتب والشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي، وهي الفكرة التي اختارها بوكوفسكي نفسه لتكون من أشهر العبارات المرتبطة به:
«لا تحاول.»
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى غريبة.
كيف يمكن أن يقول لنا كاتب ناجح: لا تحاول؟
كيف يمكن أن ننصح إنسانًا لديه حلم بأن يتوقف عن المحاولة؟
أليس النجاح يحتاج إلى العمل والمثابرة والإصرار؟
بالتأكيد.
لكن بوكوفسكي لم يكن يتحدث عن الكسل، ولا عن الاستسلام، ولا عن أن نجلس في أماكننا منتظرين أن تأتي الأشياء إلينا.
الفكرة أكثر تعقيدًا من ذلك.
أحيانًا تكون المشكلة أننا نحاول أكثر مما ينبغي.
نحاول أن نبدو ناجحين.
نحاول أن نثبت أننا أقوياء.
نحاول أن نجعل الجميع يحبوننا.
نحاول أن نبدو سعداء.
نحاول أن نكون الأفضل.
نحاول ألا نفشل.
نحاول ألا نخطئ.
نحاول أن نسيطر على كل شيء.
وفي وسط كل هذه المحاولات
ننسى أن نعيش.
عندما تصبح المحاولة عبئًا
هناك إنسان يعمل بجد من أجل النجاح.
وهناك إنسان آخر يعيش وكأنه في معركة مستمرة مع الفشل.
الاثنان يعملان، لكن الفرق بينهما كبير.
الأول يقول:
«سأبذل كل ما أستطيع، ثم أرى ماذا سيحدث.»
أما الثاني فيقول:
«يجب أن أنجح، وإلا فأنا فاشل.»
الأول يسعى.
والثاني يطارد.
والفرق بين السعي والمطاردة أن الساعي يستطيع أن يتوقف ليلتقط أنفاسه، بينما المطارد يشعر دائمًا أن شيئًا ما يهرب منه.
وهكذا يتحول النجاح من هدف جميل إلى ضرورة نفسية.
ويتحول العمل من وسيلة إلى اختبار مستمر لقيمتنا.
ويصبح كل فشل إهانة.
وكل تأخير دليلًا على أننا لسنا جيدين بما يكفي.
وكل شخص يتقدم علينا مصدرًا للقلق.
نحن هنا لا نعمل من أجل الحياة
بل نحارب الحياة حتى تثبت لنا أننا نستحقها.
ماذا لو توقفت عن محاولة إبهار الآخرين؟
كم من الأشياء فعلناها لأننا نريدها فعلًا؟
وكم من الأشياء فعلناها لأننا نريد أن يرانا الآخرون بصورة معينة؟
نريد سيارة معينة حتى يقال إننا ناجحون.
نريد منصبًا معينًا حتى نشعر أننا أصبحنا مهمين.
نريد عددًا كبيرًا من المتابعين حتى نشعر أننا مؤثرون.
نريد أن تبدو حياتنا جميلة أمام الناس، حتى لو كانت مرهقة خلف الكواليس.
نريد أن نثبت لشخص رفضنا يومًا أننا أصبحنا أفضل منه.
نريد أن ننتصر في نقاش لا يهمنا أصلًا، فقط حتى لا نظهر بمظهر الضعيف.
نحاول طوال الوقت أن نصنع صورة عن أنفسنا في عيون الآخرين.
لكن المشكلة أن الصورة تحتاج إلى صيانة مستمرة.
كلما أقنعنا شخصًا بأننا أقوياء، أصبح علينا أن نظهر أقوياء في المرة التالية.
وكلما أقنعناهم بأننا ناجحون، أصبح الفشل أمامهم أكثر رعبًا.
وكلما حاولنا أن نكون محبوبين من الجميع، أصبح رفض شخص واحد لنا مؤلمًا بشكل مبالغ فيه.
ربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف عن المحاولة
محاولة أن نكون شخصًا آخر.
لا تحاول أن تكون سعيدًا طوال الوقت
حتى السعادة تحولت في عصرنا إلى مشروع.
يجب أن تكون سعيدًا.
يجب أن تكون إيجابيًا.
يجب أن تستمتع بكل لحظة.
يجب أن تحب عملك.
يجب أن تستيقظ متحمسًا.
ويجب ألا تسمح للطاقة السلبية بأن تقترب منك.
لكن الإنسان ليس آلة للسعادة.
هناك أيام ستشعر فيها بالحزن.
وأيام ستفقد فيها شغفك.
وأيام ستشك في نفسك.
وأيام ستشعر فيها أنك لا تريد أن تفعل أي شيء.
وهذا لا يعني أن حياتك فاشلة.
لا يعني أنك شخص سلبي.
ولا يعني أنك فقدت الطريق.
إنها ببساطة طبيعة الإنسان.
أحيانًا، كلما حاولت أن تتخلص من شعور مؤلم بسرعة، زاد تعلقك به.
وكلما قلت لنفسك: «يجب ألا أشعر بالحزن»، أصبحت أكثر انشغالًا بحزنك.
وربما يكون التعامل الصحي مع بعض المشاعر هو أن تسمح لها بالوجود دون أن تجعلها تقود حياتك.
لست مطالبًا بأن تكون بخير طوال الوقت.
لا تحاول أن تتحكم في كل شيء
من أكثر الأشياء التي تستنزف الإنسان محاولته السيطرة على ما لا يستطيع السيطرة عليه.
ماذا سيقول الناس؟
ماذا سيحدث غدًا؟
هل سيحبني فلان؟
هل سينجح المشروع؟
هل سيستمر هذا الشخص معي؟
هل سأمرض؟
هل سأخسر؟
هل سيحدث ما أخشاه؟
أسئلة لا تنتهي.
والإنسان الذي يريد إجابة مؤكدة عن كل شيء يعيش في قلق دائم، لأن الحياة بطبيعتها لا تقدم لنا هذه الضمانات.
يمكنك أن تخطط.
يمكنك أن تستعد.
يمكنك أن تعمل.
يمكنك أن تتعلم.
لكن لا يمكنك أن تضمن النتائج كلها.
وهنا ربما تأتي الحكمة:
افعل ما تستطيع ثم اترك مساحة لما لا تستطيع التحكم فيه.