تخطي للذهاب إلى المحتوى

عين على الرواية .. رواية العمى

12 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم : علي الحناوي 


ليست رواية العمى للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو مجرد حكاية عن وباء غامض يفقد الناس أبصارهم، بل هي واحدة من أعمق الروايات الفلسفية التي تطرح سؤالا مؤلما  ماذا يبقى من الإنسان عندما تسقط عنه مظاهر الحضارة

تبدأ الأحداث حين يصاب رجل فجأة بعمى غريب، لا يرى فيه ظلاما، بل بياضا ساطعا يغمر كل شيء. وسرعان ما ينتشر هذا العمى الأبيض  كأنه وباء لا يعرف سببه ولا علاجه، فتقرر السلطات عزل المصابين داخل مصحة مهجورة، معتقدة أن الحجر الصحي سيحتوي الأزمة.

لكن ما إن يغيب القانون وتضعف سلطة الدولة، حتى يبدأ الانهيار الحقيقي. يتحول الطعام إلى وسيلة للابتزاز، وتصبح القوة هي القانون، وتنهار القيم التي طالما تغنى بها المجتمع. ويكتشف القارئ أن الحضارة ليست شوارع نظيفة ولا مباني شاهقة، وإنما أخلاق تضبط الإنسان حين تغيب الرقابة.

وسط هذا الجحيم تبرز زوجة الطبيب، المرأة الوحيدة التي احتفظت ببصرها. كان بإمكانها أن تنجو بنفسها، لكنها اختارت أن تحمل مسؤولية الآخرين، وأن تقود مجموعة من الضعفاء، وتشاركهم الألم والجوع والخوف، لتصبح رمزا للرحمة والإيثار وسط عالم يتداعى.

وتدفعنا الرواية إلى سؤال أكثر عمقا كم من القيم التي نرفعها في أيام الرخاء تصمد إذا جاءت المحنة

فالأزمات لا تصنع الأخلاق، بل تكشفها. وعندما انهارت مؤسسات المجتمع، انكفأ كثيرون على ذواتهم، وغلبت الأنانية وحب البقاء، وكأن كل ما كانوا يتحدثون عنه من قيم لم يتحول إلى ضمير حي. وهذا يدعونا إلى مراجعة التدين الشكلي الأجوف، الذي قد يكتفي بالمظاهر والشعارات، لكنه يعجز عن الصمود عندما يكون الإنسان بين الخوف والمصلحة.

وفي المقابل، بقيت قلة صادقة لم تتخل عن إنسانيتها،  وقيم ومبادئ دينها ،ولم تجعل النجاة الفردية غايتها، بل رأت أن نصرة الضعيف، وإغاثة المحتاج، والتضحية من أجل الآخرين، هي الامتحان الحقيقي للقيم والإيمان. فالإيمان الصادق لا يظهر في الشعارات، بل في المواقف، ولا يقاس بما يقال، بل بما يفعل عندما تضيق السبل.

وفي نهاية الرواية يعود البصر إلى الجميع فجأة، لكن السؤال الذي يتركه ساراماجو معلقا لا يتعلق بسبب الوباء، وإنما بما كشفه من حقيقة الإنسان.

فالعمى الحقيقي ليس أن تفقد عينيك، بل أن تفقد بصيرتك، وأن ترى الظلم فلا تنكره، وترى الجائع فلا تطعمه، وترى المنكوب  والضعيف فلا تمد إليه يدك.

ولهذا ستظل رواية  العمى  تتجاوز زمانها ومكانها، لأنها لا تتحدث عن وباء أصاب مدينة مجهولة، بل عن كل مجتمع يظن أن الحضارة تكفي لحمايته، بينما حمايته الحقيقية تكمن في الضمير، والرحمة، وصدق القيم التي لا تتغير عند أول اختبار.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً