تخطي للذهاب إلى المحتوى

اللاوعي في الأدب العالمي

9 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم د . عادل جعفر


قبل أن يضع سيغموند فرويد نظريته عن اللاوعي، كان الأدباء قد اكتشفوا بطريقتهم أن الإنسان لا يعرف نفسه معرفة كاملة، وأن وراء أفعاله الظاهرة رغبات ومخاوف وذكريات مكبوتة تدفعه إلى سلوك لا يستطيع تفسيره. فالأدب لم ينتظر علم النفس كي يدخل الغرف المغلقة في النفس البشرية، بل سبق إليه، مستخدمًا الحلم والرمز والهذيان وتناقض الشخصية.

يُعدّ فيودور دوستويفسكي من أبرز من اقتربوا من أعماق النفس. ففي رواية “لجريمة والعقاب “لا يرتكب راسكولنيكوف جريمته بسبب فكرة عقلية مجردة فحسب، بل تدفعه إليها رغبات خفية في التفوق واختبار ذاته. وبعد الجريمة يبدأ لاوعيه بمحاكمته عبر الحمى والقلق والاضطراب، بينما يحاول وعيه اختراع المبررات. وفي “الإخوة كارامازوف “ تتداخل الرغبة المكبوتة في موت الأب مع الشعور بالذنب، حتى يصبح السؤال النفسي أعمق من السؤال القانوني: مَن الذي ارتكب الجريمة، اليد التي نفذتها أم النفس التي تمنتها؟

وقبل ظهور التحليل النفسي أيضًا، كتب روبرت لويس ستيفنسون رواية “الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد”, فجسّد انقسام الإنسان بين صورته الاجتماعية المحترمة ورغباته العدوانية المكبوتة. لم يكن هايد شخصًا غريبًا دخل حياة جيكل، بل كان الجزء الذي أخفاه جيكل طويلًا حتى عاد أكثر وحشية واستقلالًا. وقد أصبحت الرواية مثالًا أدبيًا مبكرًا على صراع الذات مع جانبها المرفوض. أما فرانتس كافكا، ففي روايتي “المحاكمة”و”المسخ” , جعل اللاوعي يظهر في صورة عالم كابوسي. يستيقظ جوزيف ك. متهم بجريمة لا يعرفها، وكأن المحكمة تمثل شعور داخلي غامض بالذنب. ويستيقظ غريغور سامسا حشرة ضخمة، فيتحول إحساسه القديم بالدونية والعجز والاستغلال إلى جسد مرئي.

وفي ”البحث عن الزمن المفقود” لمارسيل بروست، تستيقظ الذكريات المدفونة عندما يتذوق الراوي كعكة المادلين؛ فالماضي لا يعود بقرار واعٍ، بل تستحضره رائحة أو نكهة احتفظ بها العقل بعيدًا عن الإرادة. ثم جاءت فرجينيا وولف في “السيدة دالاواي “ وجيمس جويس في “عوليس” ليستخدما تيار الوعي، حيث تتحرك الأفكار بحرية بين الحاضر والذكرى والإحساس والتداعي، كما تجري داخل النفس فعلاً.

يكشف الأدب العالمي، في النهاية، أن الإنسان لا يتكون مما يقوله عن نفسه فقط، بل أيضاً مما يخفيه، وما ينساه، وما يعود إليه في الأحلام والزلات والاختيارات الغامضة. ولهذا تبدو الرواية أحياناً أشبه بجلسة علاج نفسي طويلة؛ يدخلها الإنسان باحثاً عن شخصيات الآخرين، ثم يخرج منها وقد لمح شيئاً كان مختبئاً في داخله.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً