تخطي للذهاب إلى المحتوى

رجع قلبك.. رحلة العودة إلى الانسان

24 أغسطس 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

 علي الحناوي - مصر

رجع قلبك..رحلة العودة إلى الانسان


والقلب يا صديقي ليس تلك العضلة التي تسكن الصدر وتضخ الدم فحسب، ولا ممرا لعاطفة عابرة تمر ثم تختفي. الأمر أعمق من ذلك بكثير؛ إنه موضع الوعي والنية والضمير، ومنه تتشكل علاقتنا بأنفسنا وبالناس وبالحياة. ولذلك يقول الله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾. فالقلب هنا ليس موضع الشعور وحده، بل موضع إدراك وبصيرة وعقل.


ولهذا جاء المعنى النبوي واضحا وعميقا: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فصلاح الإنسان يبدأ من ذلك الموضع الخفي الذي إذا استقام استقام الإنسان.


لكن القلب ليس ثابتا على حال. إنه يتأثر بما نعيش، وبما نفعل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». وكأن في الدعاء تذكيرا دائما بأن القلب يحتاج إلى رعاية ربانية، تؤازر الرعاية البشرية لهذا القلب؛ لأن كل ما حولنا يؤثر في هذه المضغة، ويأخذ منها ومن نقائها وصلاحها، ورويدا رويدا يسحب بساط الفطرة من القلب بكثرة الذنوب والمعاصي، والحقوق، والتآلف التدريجي مع كل ما يبتعد بالقلب عن الله وعن الإنسانية.


ومن هنا جاءت فكرة «رجع قلبك»، وليس الهدف أن نقدم مواعظ، وإنما لنمضي معا في رحلة إلى ذلك المكان العظيم.


نحاول أن نعيد إليه فطرته السوية الأولى، وفطرته الإيمانية والإنسانية التي فطره الله عليها.


إنها رحلة نمر فيها على ضمير الإنسان، نطمئن: هل ما زال يقظا، حارسا للقيم وللأمانات؟ ونستعيد رحمة جففتها المواقف وصعوبات الحياة، رحمة نعود بها إلى النموذج الإنساني الفريد الذي أراده الله بأن يكون خليفته على الأرض، ونستعيد ونُثمن الصدق في واقع صار عنوانه الزيف والخداع والتدليس، وأمانة أصبحت ثقيلة في زمن أصبحت فيه الخيانة أحيانا أسهل من الوفاء.


إننا نبحث عن عودة المعنى الإنساني، عن نفسه التي فقدها، وقلبه الذي سرقه بريق الشاشات والصور والمقارنات والاستهلاك الذي ينهش في العمر، وحياة سريعة مبهرة تسرق ما بقي من عمر يتآكل بين ماكينات الصناعة وأحلام السعادة المؤجلة. وفي الزحام نفقد قلوبنا، وتُسرق وتضيع طمأنينة الروح، وصدق العلاقات، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانا.


لذلك سنبدأ من الداخل.


لكننا لا نريد قلبا بلا وعي، ولا عاطفة بلا ميزان. نريد إنسانا يحيا قلبه، ويستنير عقله، ويستقيم ضميره، ويظهر أثر ذلك كله في سلوكه. ولهذا ستكون رحلتنا بين القلب والقيمة، وبين المبدأ والموقف، وبين ما نؤمن به في أعماقنا وما نفعله في حياتنا.


وفي خضم كل ما مضى، ثمة بريق أمل يقول لك: اهدأ قليلا، فثمة حياة أخرى تستحقها. وسنبدأ من البداية، حين كان كل شيء في الكلمة، حين كانت أمانة وعهدا ومسؤولية، ونعرج على منظومة القيم كاملة، فنستعيد صلة الرحم وبر الوالدين، وجبر الخواطر، والوفاء بالعهد، ومسؤولية التربية، وحقيقة دور الإنسان حين خلقه الله ليكون خليفته على الأرض، حاملا لرسالة البناء والتوحيد، وناشرا للقيم والأخلاق الرفيعة.
شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً