أيهم الدقم - الأردن
مَا بَيْنَ نَبْضِ الدُّعَاءِ وَخَطْوِ السَّعْيِ: كَيْفَ يَصْنَعُ الإِنْسَانُ غَدَهُ؟
تَقِفُ النَّفْسُ الإِنْسَانِيَّةُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ عَلَى أَعْتَابِ الحَيْرَةِ، تَظُنُّ أَنَّ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الحَالِ قَدَرٌ مَحْتُومٌ لا يَزُولُ، وَتَنْسَى أَنَّ الحَيَاةَ فِي جَوْهَرِهَا حَرَكَةٌ لا تَعْرِفُ السُّكُونَ، وَتَغَيُّراً لا يَقْبَلُ الخُمُولَ. إنَّ الإِنْسَانَ لَمْ يُخْلَقْ لِيَكُونَ هَامِشاً فِي صَفْحَةِ الوُجُودِ، أَوْ ظِلاً يَتَبَعُ الأَحْدَاثَ دُونَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا، بَلْ أُودِعَتْ فِيهِ طَاقَةٌ جَبَّارَةٌ تُكْنِزُ فِي طَيَّاتِهَا قُدْرَةً عَجِيبَةً عَلَى الاِنْتِقَالِ مِنْ ضِيقِ العَجْزِ إِلَى سَعَةِ القُدْرَةِ، وَمِنْ ظُلْمَةِ اليَأْسِ إِلَى نُورِ الرَّجَاءِ. إنَّ التَّغْيِيرَ لَيْسَ مُعْجِزَةً هَابِطَةً مِنَ السَّمَاءِ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ، بَلْ هُوَ شِفْرَةٌ تَنْفَتِحُ بِمِفْتَاحَيْنِ لا غِنَى لأَحَدِهِمَا عَنِ الآخَرِ: صَدَقَةُ الاِبْتِهَالِ وَجِدِّيَّةُ الاِجْتِهَادِ.
وَمِنْ مَنْظُورِ عِلْمِ النَّفْسِ، نَجِدُ أَنَّ الذَّاتَ البَشَرِيَّةَ لَيْسَتْ قَالَباً صَلْباً صُنِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ انْتَهَى أَمْرُهُ، بَلْ هِيَ كِيَانٌ يَتَمَتَّعُ بِمَرُونَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ تُتِيحُ لَهُ إِعَادَةَ هَيْكَلَةِ قَنَاعَاتِهِ وَسُلُوكِيَّاتِهِ مَهْمَا طَالَ بِهِ المَكَثُ فِي الحُفَرِ. يُحَذِّرُ عِلْمُ النَّفْسِ مِمَّا يُسَمَّى بِـ "العَجْزِ المُكْتَسَبِ"، وَهُوَ تِلْكَ الحَالَةُ التِي يَقْنَعُ فِيهَا المَرْءُ بِأَنَّ مُحَاوَلَاتِهِ لَنْ تُغَيِّرَ شَيْئاً، فَيَسْتَسْلِمُ لِقُيُودِ السَّلَبِيَّةِ وَيُصْبِحُ أَسِيراً لِوَهْمِ الِانْتِظَارِ. لَكِنَّ الحَقِيقَةَ النَّفْسِيَّةَ تُؤَكِّدُ أَنَّ العَقْلَ البَشَرِيَّ يَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى إِعَادَةِ تَشْكِيلِ مَسَارَاتِهِ، وَأَنَّ الإِدْرَاكَ الفَاعِلَ هُوَ الذِي يُحَوِّلُ المَشَاعِرَ السَّاكِنَةَ إِلَى طَاقَةٍ دَافِعَةٍ. إنَّ الإِنْسَانَ حِينَمَا يُغَيِّرُ رُؤْيَتَهُ لِذَاتِهِ وَلِلْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ، يَبْدَأُ الدِّمَاغُ فِي خَلْقِ سُبُلٍ جَدِيدَةٍ لِلتَّعَامُلِ مَعَ التَّحَدِّيَاتِ، مِمَّا يَجْعَلُ التَّغْيِيرَ مُمْكِناً، بَلْ وَوَاقِعاً مَلْمُوساً.
إنَّ الِانْتِظَارَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ هُوَ المَوْتُ البَطِيءُ فِي أَبْهَى صُوَرِهِ؛ فَهُوَ جُمُودٌ فِي يَقَظَةٍ، وَنَوْمٌ فِي حَرَكَةٍ. كَثِيرُونَ هُمْ الَّذِينَ يَتَمَنَّوْنَ التَّغْيِيرَ، وَيَرْفَعُونَ أَكُفَّ الدُّعَاءِ، لَكِنَّهُمْ يَبْقَوْنَ فِي أَمَاكِنِهِمْ لا يُحَرِّكُونَ سَاكِناً، يَظُنُّونَ أَنَّ الرَّجَاءَ يُغْنِي عَنِ العَنَاءِ، وَأَنَّ السَّمَاءَ تُمْطِرُ ذَهَباً دُونَ غَرْسٍ أَوْ سَقْيٍ. إنَّ الدُّعَاءَ لَيْسَ عَصاً سِحْرِيَّةً تُعْفِي الإِنْسَانَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ السَّعْيِ، بَلْ هُوَ شَحْنَةٌ رُوحِيَّةٌ تَمْلَأُ القَلْبَ بِاليَقِينِ وَتَدْفَعُ الجَسَدَ نَحْوَ المَيْدَانِ. الدُّعَاءُ هُوَ البَذْرَةُ الرُّوحِيَّةُ، وَالسَّعْيُ هُوَ المَاءُ الذِي يُنْبِتُهَا؛ فَمَنْ دَعَا وَلَمْ يَعْمَلْ كَمَنْ بَذَرَ فِي أَرْضٍ جَرْدَاءَ وَانْتَظَرَ الحَصَادَ، وَمَنْ عَمِلَ وَلَمْ يَدْعُ كَمَنْ سَقَى زَرْعاً بِلَا بَذْرٍ. إنَّ كَمَالَ التَّوَكُّلِ أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ إِلَى السَّمَاءِ بِيَقِينِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ تُشَمِّرَ عَنْ سَاعِدِكَ بِعَزْمِ المُنْتَظِرِ، مُمَازِجاً بَيْنَ طَهَارَةِ الرَّجَاءِ وَجَسَارَةِ الشَّقَاءِ.
الأَمَلُ لا يُنْتَظَرُ بَلْ يُصْنَعُ، وَالفَجْرُ لا يَبْزُغُ فِي القُلُوبِ إِلا إِذَا قَطَعَتْ أَقْدَامُ السَّعْيِ ظَلَامَ اللَّيْلِ. حِينَمَا يَكُونُ الإِنْسَانُ إِيجَابِيّاً، فَإِنَّهُ لا يَنْتَظِرُ الظُّرُوفَ المُوَاتِيَةَ، بَلْ يَصْنَعُ هُوَ الظَّرْفَ المِثَالِيَّ بِمَطَرِ جُهْدِهِ وَزَهْرِ سَعْيِهِ. إنَّ التَّوَاكُلَ ضَعْفٌ يَكْسُوهُ الاِدِّعَاءُ، أَمَّا التَّوَكُّلُ فَقُوَّةٌ يَحُفُّهَا الاِبْتِهَالُ وَالإِنْشَاءُ. شَتَّانَ بَيْنَ مَنْ يَقْعُدُ فِي القَاعِ يَرْقُبُ أَعَالِي القِمَمِ، وَبَيْنَ مَنْ يَطَأُ الشَّوْكَ بِقَدَمِهِ لِيَصِلَ إِلَى العَلَمِ. حِينَ تَتَحَرَّكُ، يَتَحَرَّكُ العَالَمُ مَعَكَ؛ فَالْقَانُونُ الكَوْنِيُّ يَحْمِي المَشَّائِينَ، وَيَلْفِظُ الخَامِلِينَ. الإِنْسَانُ الفَاعِلُ يَرَى فِي كُلِّ عَقَبَةٍ فُرْصَةً لِلصُّعُودِ، وَفِي كُلِّ انْكِسَارٍ جَسْراً لِلْعُبُورِ، ثِقَةً مِنْهُ بِأَنَّ جُهْدَهُ لَنْ يَذْهَبَ سُدًى، وَأَنَّ كُلَّ خَطْوَةٍ صَادِقَةٍ هِيَ تَصْوِيبٌ لِلْمَسَارِ وَإِحْيَاءٌ لِلأَمَلِ المَحْتَضَرِ.
إنَّ السَّعْيَ المَقْرُونَ بِالدُّعَاءِ يَخْلُقُ فِي النَّفْسِ حَالَةً مِنَ التَّوَازُنِ الدَّاخِلِيِّ، يُطْلِقُ عَلَيْهَا عِلْمُ النَّفْسِ "الفَاعِلِيَّةَ الذَّاتِيَّةَ"؛ حَيْثُ يَشْعُرُ الإِنْسَانُ بِأَنَّهُ المَالِكُ لِقَرَارِهِ، وَالقَادِرُ عَلَى التَّأْثِيرِ فِي حَيَاتِهِ. هَذِهِ الفَاعِلِيَّةُ تَكْسِرُ حَاجِزَ الخَوْفِ، وَتُبَدِّدُ ظِلَالَ القَلَقِ، فَتَجْعَلُ مِنَ المَصَاعِبِ مَطَايَا لِلنَّجَاحِ. لَمْ يَعُدْ التَّغْيِيرُ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ حَالِمَةٍ يُدَنْدِنُ بِهَا الشُّعَرَاءُ، بَلْ أَصْبَحَ حَقِيقَةً يَبْنِيهَا السَّاعُونَ لَيْلَ نَهَارٍ، لا يَمَلُّونَ الوُقُوفَ، وَلا يَسْتَكِينُونَ لِلظُّرُوفِ. إنَّ الرُّوحَ التِي تَعْرِفُ كَيْفَ تَسْجُدُ لِتَسْتَمِدَّ القُوَّةَ، ثُمَّ تَقُومُ لِتُوَاجِهَ الحَيَاةَ بِشَجَاعَةٍ، هِيَ الرُّوحُ التِي لا تُهْزَمُ، وَلا يُطْفَأُ لَهَا قَبَسٌ.
فَلْتَكُنْ إِذَنْ مِمَّنْ يَكْتُبُونَ طَرِيقَهُمْ بِعَرَقِ الجَبِينِ وَسَكِينَةِ اليَقِينِ، وَلا تَرْضَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ بَطَلاً سَالِباً فِي رِوَايَةٍ أَنْتَ مُؤَلِّفُهَا. ادْعُ وَكَأَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللهِ، وَاعْمَلْ وَكَأَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِكَ، فَبِكِلْتَا اليَدَيْنِ تُبْنَى المَعَالِي، وَبِهِمَا يَتَحَوَّلُ الحُلْمُ المُسْتَحِيلُ إِلَى وَاقِعٍ جَلِيلٍ. إنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ نِتَاجَ ظُرُوفِهِ بَلْ نِتَاجَ خِيَارَاتِهِ، وَحِينَمَا يَقْتَرِنُ الرَّجَاءُ بِالعَمَلِ، يَتَجَلَّى السَّرَابُ جَنَّةً، وَيُزْهِرُ العُسْرُ يُسْراً، فَتَكُونُ الحَيَاةُ مَلْحَمَةً مِنْ صُنْعِ يَدَيْكَ وَتَوْفِيقِ خَالِقِكَ.