د. محمود شعبان - مصر
أعظم خسارة يخسرها الإنسان هى أن يخسر نفسه حتى وإن ربح العالم كله :"قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة" الزمر .
فأن يخسر الإنسان نفسه بالهلاك والشقاء الأبدى فى الجحيم وخسران النعيم المقيم فهذا وربى لهو الخسران المبين صدق رب العالمين:"ذلك هو الخسران المبين" ،
فهؤلاء الذين أضاعوا أنفسهم بالغفلة والغواية والضلال "ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " الكهف.
وهذه هى أعظم الخسارة أن يخسر الإنسان نفسه وهو يظن من شدة الغفلة أنه فى الطريق الصحيح ثم يكتشف بعد فوات الأوان وحين لا ينفع الندم أنه ضيع نفسه وخسرها إلى الأبد فهم :"قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون" الاعراف ، "أولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون" التوبة .
ولله در من قال:
"إذا أنت لم تربح لنفسك هدى فقد خبت ، والخسران خسر النفوس".
فمن اتبع هواه وباع بآخرته دنياه خسر وضل وتاه :"أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين" البقرة ،
ومن استعبدته شهواته ورغباته خسر الدنيا والآخرة ، ومن استعبده هواه ضيعه وأضله وأرداه "ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " القصص،
ومن استعبدته دنياه خسر نفسه وخسر أخراه :"أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار ، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون" هود ،
ومن جعل همه إرضاء الناس حتى ولو على حساب نفسه و قيمه ومعتقده خاسر ولو كانوا أقرب الناس إليه :" يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون" المنافقون،
ومن امتلك الدنيا بأسرها وخسر نفسه فهو على الحقيقة خاسر ولا تغنى عنه دنياه شيئا :
(إذا لم يربح المرء لنفسه الهدى
فكل الذى يربحه ليس يغنى )
، وإن أعظم الخسارة خسارة الذات وما يعقبها من حسرات :"حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم" الانعام ، " ولما سقط فى أيديهم وراوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين" ، " يا حسرتى على ما فرطت فى جنب الله " .
يقول الحارس المحاسبى:"أعظم الخسران أن تعرض عن الله ، وتقبل على ما سواه " ، ويقول ابن القيم:"أعظم الخسران الجهل بالنفس وإهمالها" ويشير فى ثنايا كلامه إلى أن "من باع نفسه لله ربح، ومن باعها لهواه خسر" ، والله تعالى يقول فى علاه:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" التوبة .
وأكثر الناس يخسرون أنفسهم بسبب غفلتهم عن ذلك ووالله إن :"ذلك هو الخسران المبين" الحج ، والله تعالى يقول:"قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم" ، فليس من خسر المال او عرض زائل من الدنيا ومادياتها هو الخاسر على الحقيقة بل" إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم " بالغفلة واتباع الأهواء والرغبات والشهوات .
قرائي الكرام .. إن أعظم الخسارة ان يخسر أحدنا نفسه فى رحلة البحث عن الدنيا ؛فاحذروا "ولا تغرنكم الحياة الدنيا" ، وتذكر قارئي أن وجودك فى هذه الحياة له معنى وغاية " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " "هو الذى أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"، فلا تضل عن تلك الغاية ، ولا تغفلوا عن سبب وجودكم ومعناه ومغزاه فتخسروا أنفسكم ويضل سعيكم سدى وهباء ، يقول فيكتور فرانكل فى رائعته" الإنسان يبحث عن المعنى" :
"فقدان المعنى فى الحياة هو أسوأ أشكال الخسارة ، لأنه يجعل الإنسان يعيش بلا هدف أى يخسر نفسه " ،
وفى الإنجيل " لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها "،
فما أعظمها من خسارة .