بقلم : د. عبير سعد
«ألا تهون»
حين نقرأ كلمات أدهم شرقاوي العذبة عن شعور «ألا تهون»، تتوق نفوسنا إلى تلك العلاقات الإنسانية التي نعيش فيها بصدق وأمان، فلا نضطر إلى التساؤل المستمر عن مكانتنا في قلوب من نحبهم ونألفهم.
لكن من أوجع تجارب الدرب الإنساني أن نكتشف، بعد أن منحنا الآخرين مكانة كبيرة في قلوبنا، أن مكانتنا عندهم ليست كما ظننا، وأن ما حسبناه أولوية متبادلة ربما لم يكن إلا خيارًا عابرًا بين خيارات أخرى.
ولا يكمن الوجع في اختلاف المشاعر فحسب؛ فليس من الضروري أن تتساوى القلوب في مقدار تعلقها، وإنما يؤلمنا تراكم المواقف التي تكشف تفاوتًا واضحًا بين ما نبذله وما نتلقاه، ولا سيما حين نحتاج إلى من ظنناهم سندًا، فنفاجأ بأننا لسنا في الموضع الذي تخيلناه عندهم. عندها لا يكون الألم في فقدان الصورة التي رسمناها للآخر فحسب، بل في اضطرارنا إلى مراجعة تصوراتنا عن مكانتنا لديه.
وهنا يبدأ درس مهم من دروس الوعي: ليس كل من منحناهم الأولوية قادرين أو راغبين في أن يمنحونا مثلها.
إن حاجتنا إلى المحبة والتقدير والشعور بأن لنا مكانة في حياة الآخرين حاجة إنسانية نبيلة، لا ينبغي أن نخجل منها أو نعدّها ضعفًا. غير أن الحكمة تقتضي أن نمنح المحبة ببصيرة، دون أن نرهن طمأنينتنا لتقلبات مشاعر الآخرين. ولعل في المقولة المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يدعونا إلى التأمل:
«أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما».
وحين تتكرر علامات الإهمال والتهميش، لا يدعونا الوعي إلى الانسحاب المتعجل بدافع الخذلان، ولا إلى مضاعفة العطاء أملًا في التغيير؛ بل يدعونا إلى التمييز بين اختلاف الطبائع وطرق التعبير عن المودة، وبين علاقة يتحمل فيها طرف واحد عبء المبادرة والإصلاح واستمرار الود.
وهنا يحق لنا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل تعكس هذه العلاقة مودة متبادلة، أم أنني أحاول وحدي الحفاظ على صورة أتمنى أن تكون حقيقية؟
وقد يكشف الحوار الصريح حقيقة الموقف، وقد تستدعي الحكمة تخفيف التوقعات وإعادة ترتيب الحدود، وربما يصبح الابتعاد ضرورة هادئة إذا تعذر الإصلاح. فليس كل علاقة يمكن إنقاذها بمزيد من العطاء، ولا كل مودة يكفي فيها حرص طرف واحد لاستمرارها. ولعل في هذه الأبيات المنسوبة إلى الإمام الشافعي ما يعبّر عن هذا المعنى:
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفًا
فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
العطاء النبيل لا يعني إلغاء احتياجاتنا، والرحمة بالآخرين لا تقتضي القسوة على أنفسنا. كن وفيًا دون أن تكون أسيرًا، وكريمًا دون أن تسمح باستنزافك.
فليس معنى «ألا تهون» أن تصبح عزيزًا في عيون الجميع، ولا أن تضمن ألا يخيب أحدهم ظنك؛ بل أن تعرف قدرك دون أن تجعل تقدير الآخرين مقياسًا لقيمتك، وأن تحسن إلى من حولك دون أن تفقد نفسك، وأن تظل قادرًا على منح المودة ببصيرة، دون أن ترتهن طمأنينتك بتقلّب مشاعر الآخرين.