الكاتبة :ليندة بن سايح
النقد التفاعلي: تحولات الخطاب النقدي في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي
تمهيد
شهد الحقل النقدي مؤخرا تحولات كثيرة ارتبطت بتغير وسائط التلقي وآليات الإنتاج الأدبي والفني، ولعل أهم تجليات هذا التحول نشأة من ما يمكن تسميته بالنقد التفاعلي، وهو عبارة عن خطاب نقدي يتشكل داخل فضاءات وجسور التواصل الرقمي، ويخضع لمنطق التفاعل والانتشار والخوارزمية أكثر من خضوعه لمنطق المنهج والمعرفة. وقد نتج عن هذا التحول إشكالات معرفية وأخلاقية أثرت في وظيفة النقد ووضعيته الاعتبارية.
أولا/ تفكيك شرط التكوين: صعود الناقد الهاوي وانهيار سلطة الخبرة
لعل أبرز سمة للنقد التفاعلي هي إلغاء شرط التكوين الأكاديمي والمنهجي الذي كان يؤسس لشرعية الخطاب النقدي؛ فالناقد التقليدي كان يتشكل عبر مسار تراكمي من قراءة في النظريات ثم ممارسة للتحليل وبعدها اخراط في حوار نقدي مؤسس وصارم، أما في فضاء النقد التفاعلي فقد صار معيار الشرعية هو الحضور الرقمي فقط وليس لكفاءة المعرفية.
أدى ذلك إلى ظهور فئة من المنتجين الخطابيين الذين يمارسون فعل التقويم والحكم دون امتلاك للأدوات اللازمة ولا الإلمام بتاريخ الأشكال الفنية ولا وعي بالسياقات، ولا قدرة على المقارنة.
والنتيجة كانت خطاب نقدي قائم على الارتجال، يعيد إنتاج الأحكام المسبقة ويقدمها في قالب قاطع وغير دقيق، وهكذا انتقلنا من نقد يفهم الإبداع إلى نقد ينافس الإبداع على الظهور والشهرة.
ثانيا/ الذكاء الاصطناعي بوصفه آلية تعميم: من أداة معرفية إلى مصنع للخطاب الفارغ
لم يكن الذكاء الاصطناعي سببا مباشرا في أزمة النقد، ولكنه كان عامل تسريع ومضاعفة لهذه الأزمة، ذلك أن وفر آليات إنتاج خطابي سريع ومنخفض الكلفة، مكن الأفراد غير المكونين من محاكاة شكل الخطاب النقدي دون جوهره، إذ يكفي إدخال معطيات العمل الفني ليولد النظام نصا نقديا جاهزا: مقدمة، محاور( تحليل) وخاتمة. وهنا يكمن الدافع السلبي، فبدلا من أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للباحث المتمكن، تحول إلى بديل للتعلم، وصار بإمكان أي فرد أن يصدر أحكاما تبدو موضوعية وهي في الأصل نتاج تلخيص آلي بحث.
وقد أدى ذلك إلى تضخم كمي هائل في حجم "النقد" المنشور، يقابله انخفاض نوعي في قيمته المعرفية، فغدت الساحة مشبعة بخطاب مكرر وفارغ، مصاغ لغويا بإحكام، لكنه خال من الرؤية ومن التراكم المعرفي...
ثالثا/ منطق الخوارزمية واقتصاد الانتباه: تكريس الرداءة وتسليع الحكم النقدي
يخضع النقد التفاعلي لمنطق المنصة لا لمنطق المعرفة، والمنصة تكافئ المنتوج الذي يحقق تفاعلا لا المنتوج الذي يحقق التميز أو الدقة. وعليه، فإن الخطاب النقدي الذي ينتشر هو الخطاب الحاد، الاستفزازي، المختزل والشخصي.
لقد تحول الحكم النقدي إلى سلعة تخضع لقوانين السوق الرقمي، منها: العنوان الصادم (المستفز) ، الزمن القصير، الإثارة. وفي ظل هذا الاقتصاد الجديد، تم تكريس الرداءة باعتبارها الأكثر رواجا، وجرى تهميش الخطاب الهادئ المتأني باعتباره "غير قابل للتداول".
رابعا/انزياح الموضوعية: من التحليل البنيوي إلى سيادة الانطباعية الاستهلاكية
من النتائج المباشرة لهيمنة النقد التفاعلي تراجع صارم لمبدأ الموضوعية وصعود الانطباعية بوصفها المعيار المهيمن، إذ صار عبارات ذوقية تقوم مقام تفكيك البنية والتحليل، ومنه غياب تام للأسئلة الجدلية الكبرى.
لقد خرج النقد التفاعلي من دائرة وظائفه الكلاسيكية: التأريخ، التشريح، المقارنة، التأويل، وبناء الذائقة إلى وظائف جديدة: الترويج، التنفير، تصدر الترند، صناعة الجدل.
ومنه لم يعد الناقد وسيطا بين النص والمتلقي، إنما صار منافسا لهما على المشاهدة، فاختزلت وظيفته في إنتاج "رأي" سريع الاستهلاك، قابل للمشاركة والتعليق، لا في إنتاج معرفة قابلة للتراكم والمراجعة.
خاتمة:
إن النقد التفاعلي ليس ظاهرة عابرة، بل هو تعبير عن تحول أوسع في علاقة الجمهور بالثقافة، ولكن خطورته تكمن في أنه يزعم تمثيل النقد بينما هو في الحقيقة يفرغه من مضمونه.
إن التحدي اليوم ليس في منع الناس من الكلام، بل في إعادة ترسيم الحدود بين "الرأي" و "النقد". وبين "الانطباع" و "التحليل". وبين "المؤثر" و "الناقد"...
وهذا لا يتم إلا عبر إعادة الاعتبار لشرط التكوين، وللقراءة المنهجية، وللحوار المؤسس على خلفية معرفية وفكرية، فالذكاء الاصطناعي والمنصات واقع لا مفر منه... ولكن إذا لم نواجههما بوعي نقدي، فسنصل إلى مفارقة مؤلمة وهي تحول مجتمع يحتوي على عدد كبير من أشباه نقاد ولا أحد منهم يقرأ. وحينها لن تكون أزمتنا أزمة نقد، بل أزمة ذوق وعقل.