بقلم : تركي الزهراني
هناك أشياء لا ينبغي أن تصل متأخرة.
ليس لأنها تفقد قيمتها، بل لأنها قد تصل سليمة تماما إلى مكان لم يعد موجودا.
كنت أظن أن الوقت محايد. يمضي وحسب، لا يقف مع أحد ولا يتآمر على أحد. ثم اكتشفت أن بعض الأشياء حين نتركها في عهدته لا يحفظها لنا، بل يعيدها إلينا بعد أن يغير الشخص الذي كان ينتظرها.
لهذا لم أعد أثق كثيرا بكلمة (لاحقا).
كلمة مهذبة جدا، ومع ذلك ارتكبت في حياة الناس ما لم ترتكبه كلمات أكثر قسوة منها.
سنشرح لاحقا.
سنتحدث لاحقا.
سنعتذر لاحقا.
وكأن الأيام مستودع أمين نضع فيه ما عجزنا عن فعله الآن، ثم نعود متى شئنا فنجد الأشياء في مواضعها، والقلوب على حالها، والناس واقفين حيث تركناهم.
لكن الناس لا ينتظروننا في النسخة نفسها.
كنت أعرف رجلا إذا جرحه أحد ارتكب خطأ نبيلا.
ترك له مكانا للعودة.
لم يكن يحب النهايات المتعجلة. كان يظن أن الإنسان قد يحتاج إلى مسافة كي يرى ما فعله، وأن بعض الأخطاء لا تظهر لأصحابها إلا حين يبتعدون عنها.
لذلك لم يغلق الباب.
ولم ينتبه إلى أن الباب الذي نتركه مفتوحا طويلا لا يبقى بابا دائما.
قد يصبح غرفة انتظار.
في البداية كان يريد تفسيرا.
جملة واحدة فقط تعيد ما حدث إلى حجم يمكن للعقل أن يحمله.
ثم طال الصمت، فصار التفسير أقل أهمية.
أصبح يريد اعترافا.
أن يقول له أحدهم ببساطة: نعم، حدث ما رأيته. لم تتوهم الألم. لم تكن حساسا أكثر مما ينبغي. لم تخترع الجرح فقط لأنني لم أشعر بالسكين.
فالإنسان يحتمل أن يجرحه أحد.
لكن الأصعب أن يضطر بعد ذلك إلى إثبات أنه ينزف.
ومرت الأيام.
وبدأ شيء غريب يحدث.
كان مطلبه يصغر.
تنازل أولا عن التفسير، ثم عن الاعتراف الكامل، ثم عن التفاصيل، حتى أصبح مستعدا لأن يقبل إشارة صغيرة فقط.
أي شيء يدل على أن الطرف الآخر عاد ذات ليلة إلى ما حدث، وتوقف أمامه للحظة، وشعر أن هناك قلبا دفع ثمن شيء لم يرتكبه.
لكن حتى تلك الإشارة لم تأت.
ومع ذلك استمرت الحياة.
كان الرجل يستيقظ في موعده، يذهب إلى عمله، يلتقي الناس، يضحك حين يستحق الأمر الضحك، يعود إلى بيته، ينام، ثم يستيقظ من جديد.
لم يكن يجلس أمام نافذة.
لم يكن يحدق في هاتف.
ولم تكن الموسيقى تتوقف كلما مر الاسم في رأسه.
كان يعيش حياة تبدو مكتملة تماما.
وهنا تكمن الحيلة.
فنحن نتصور أن الانتظار يعني أن يقف الإنسان في مكانه، بينما أخطر الانتظار هو ذلك الذي يتعلم المشي.
يمشي معك إلى العمل.
يجلس معك بين الناس.
يكبر معك دون أن يكبر.
وتتغير أنت من حوله حتى يصبح الشيء الوحيد القديم فيك.
مرت أعوام، والرجل الذي بدأ الحكاية لم يعد كما كان.
تبدلت أشياء كثيرة فيه.
صار أقل اندفاعا، أكثر انتباها لما يقال وما لا يقال، وأشد حذرا من الأبواب التي تظل مواربة بلا سبب.
حتى ذاكرته بدأت تتصرف بطريقة مختلفة.
لم تنس.
لكنها توقفت عن المطالبة.
وذات مساء تذكر ما حدث كاملا، ثم نهض ليصنع قهوته.
في منتصف الطريق إلى المطبخ توقف.
شيء ما كان ناقصا.
عاد في رأسه إلى الحادثة مرة أخرى، ثم فهم.
لم يعد ينتظر نهايتها.
كانت تلك أول مرة يكتشف فيها أن بعض النهايات لا تأتي من الطرف الآخر.
تحدث حين يتوقف شيء فينا عن الالتفات إلى جهة المغادرة.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد يسأل نفسه إن كان الاعتذار سيأتي.
ليس لأنه سامح.
وليس لأنه لم يسامح.
كانت المسألة كلها قد خرجت من المحكمة.
لم يعد هناك متهم.
ولا قضية.
ولا قاض.
حتى الجرح نفسه لم يعد جرحا.
صار معرفة.
والمعرفة أكثر برودة من الألم، لكنها أبقى منه.
مرت سنوات أخرى.
وفي مساء عادي أضاء هاتفه باسم قديم.
نظر إليه دون أن يتحرك فيه شيء.
وهذا وحده كان غريبا.
فبعض الأسماء كانت في زمن مضى قادرة على تغيير كيمياء يوم كامل، ثم يأتي عليها وقت تصبح فيه مجرد حروف تعرف لمن تعود.
فتح الرسالة.
كانت طويلة.
قرأ السطر الأول، ثم الثاني، ثم جلس.
لم يكن فيها دفاع.
ولا ذلك النوع من الاعتذارات الذي يدخل من الباب حاملا في جيبه لائحة اتهام مضادة.
لم تكن هناك أعذار تتنكر في هيئة تفسير.
ولا كلمة (لكن) تمحو بيدها اليسرى ما كتبته اليد اليمنى.
كان هناك اعتراف صاف.
هادئ.
ومتأخر.
قرأ الرجل الرسالة حتى نهايتها.
ثم عاد إلى أولها.
كانت دقيقة على نحو مؤلم.
كل شيء كان يتمناه موجودا فيها.
الاعتراف.
الفهم.
تحمل المسؤولية.
وحتى تلك الجملة التي تخيل سنوات طويلة كيف سيكون شعوره لو قرأها.
كانت هناك.
أمام عينيه.
ولم يحدث شيء.
لا غضب.
لا ارتياح.
لا انتصار.
حتى الدمع الذي كان يظن أنه سيأتي لم يعرف الطريق.
ظل ينظر إلى الشاشة شاعرا بشيء لم يتوقعه.
لم يكن ينظر إلى اعتذار متأخر.
كان ينظر إلى جواب وصل بعد أن تغير السؤال.
أغلق الهاتف.
ثم فتحه مرة أخرى.
قرأ الرسالة للمرة الثالثة، لكن هذه المرة لم يكن يبحث عن معنى كلماتها.
كان يبحث عن شخص.
عن ذلك الرجل الذي كان سيقرأها يوما وتهتز يده.
الرجل الذي كان سيغفر من أول سطر.
الذي كان يحتاج إلى كلمة واحدة كي ينام ليلة كاملة دون أن يعيد محاكمة نفسه.
الذي ظل زمنا يترك مكانا فارغا في داخله، لا لصاحب الخطأ، بل لاحتمال أن يعود أكثر صدقا مما ذهب.
بحث عنه في نفسه.
وجد بعض آثاره.
طريقته القديمة في النظر إلى الأشياء.
شيئا من خوفه.
بقايا أسئلته.
وتلك السذاجة الجميلة التي تجعل الإنسان يعتقد أن كل ما انكسر يمكن إصلاحه إذا جاءت الكلمات المناسبة.
لكنه لم يجده.
كانت الرسالة كاملة.
وكان الاعتذار صادقا.
وكان صاحبها قد وصل أخيرا إلى المكان الصحيح.
بعد سنوات من مغادرة ساكنه.
عندها فهم أن الوقت لم يكن يعالج الرجل الذي انتظر.
كان يستبدله ببطء.
يأخذ منه كل يوم شيئا لا يراه، حتى إذا اكتملت عملية الغياب أبقى له الاسم والوجه والذاكرة، وأعطاه شخصا آخر يعيش بها.
كتب ردا قصيرا:
(وصلت رسالتك. شكرا.)
قرأه قبل أن يرسله.
بدا باردا أمام كل تلك الكلمات.
فكر أن يضيف شيئا.
ثم أدرك أن أي زيادة ستكون مجاملة للماضي على حساب الحقيقة.
ضغط زر الإرسال.
ووضع الهاتف جانبا.
في تلك اللحظة فهم أخيرا لماذا تستطيع بعض الاعتذارات أن تكون صادقة، كاملة، شجاعة، ولا تصلح شيئا.
ليست المشكلة دائما في الكلمات.
أحيانا تكون الكلمات صحيحة تماما.
والخطأ الوحيد هو العنوان.
فالرسالة وصلت.
لكنها كانت تحمل اسم رجل لم يعد يسكن هنا.
أما أنا، فلم أكن الشخص الذي انتظرها.
كنت فقط أعرف حكايته، وأحمل ملامحه، وأتذكر الأشياء التي أحبها والأشياء التي كسرته.
كأنني تسلمت بعد موته صندوقا قديما فيه بعض أوراقه وأشيائه المؤجلة.
نظرت إلى الرسالة للمرة الأخيرة.
ثم أطفأت الشاشة.
لقد وصل الاعتذار أخيرا إلى صاحبه.
لكنني كنت الوارث الوحيد.!